ويروى كذلك قول المسيح لتلاميذه:"وأما إذا جاء ذاك روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق؛ لأنه لا يتكلم من نفسه. بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية".. ؟! (22) .
فمن هو المعزى أو روح القدس أو روح الحق الذي بشر به المسيح عليه السلام حسبما يروى يوحنا .. ؟!
إن المسيح يقول:
إن ذلك المُعَرِّى أو الروح القدس لا يأتي إلا بعد ذهاب المسيح، والمسيح - نفسه - يُقِرُّ بأن ذلك المُعَرِّى أو الروح أَجَلُّ منه شأنا، وأعم نفعاً وأبقى أثراً، ولذلك قال لتلاميذه: خير لكم أن أنطلق. إن لم أنطلق لا يأتيكم المُعَرِّى.
وكلمة"خير"أفعل تفضيل بمعنى أكثر خيراً لكم ذهابى ليأتيكم المعزى ولو كان"المُعَزَّى"مساويا للمسيح في الدرجة لكانا مستويين في الخيرية ولما ساغ للمسيح أن يقول خير لكم أن أنطلق.
ومن باب أولى لو كان"المعزَّى"أقل فضلاً من المسيح. فعبارة المسيح دليل قاطع على أنه بشر بمن هو أفضل منه، لا مساوٍ له ولا أقل.
ثم يصف المسيح ذلك المُعَرَّى أو الروح بأوصاف ليست موجودة في المسيح نفسه عليه السلام. ومن تلك الأوصاف:
أ - إنه يعلم الناس كل شيء. وهذا معناه شمول رسالته لكل مقومات الإصلاح في الدنيا والدين. وذلك هو الإسلام.
ب - إنه يبكت العالم على خطية. والشاهد هنا كلمة"العالم"وهذا معناه شمول الإسلام لكل أجناس البشر، عربا وعجماً، في كل زمان ومكان. ولم توصف شريعة بهذين الوصفين إلا الإسلام.
ج - - إنه يخبر بأمور آتية، ويذكر بما مضى. وقد تحقق هذا في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
فأخبر بأمور آتية لم يخبر بها من سبقه أو أخبروا ولكن ليس على وجه التفصيل والتأكيد الذي كان على يديه صلى الله عليه وسلم فكم في القرآن من أمور أخبر بها قبل أن تقع فوقعت كما أخبر، وكم فيه من الإخبار بما سيكون في الحياة الآخرة من أوصاف الجنة، والنار، والبعث، وعلامات الساعة، وتخاصم أهل النار، وحوار أصحاب الجنة مع"رجال الأعراف"، وندم من باعوا دينهم بدنياهم. إلخ .. إلخ.
وذكر بما مضى من أحوال الأمم، وقيام الحضارات ثم سقوطها وأحوال المرسلين وما بلغوا به أقوامهم والشهادة لهم بالصدق والأمانة والإخلاص والوفاء، ومسلك بعض الأقوام من رسلهم والصراع الذي دار بين المحقين وأهل الباطل، وعاقبة بعض المكذبين .. إلخ .. إلخ.