إن ورود هذه العبارة عن عيسى نفسه تخصيص لذلك العموم المستفاد من عبارة يحيى عليهما السلام. فدل ذلك على أن المراد بملكوت السماوات رسول آخر غير عيسى. ولم يأت بعد عيسى - باعتراف الجميع - رسول غير رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم.
فدل ذلك على أنه هو المراد بملكوت السماوات في عبارة عيسى عليه السلام - قولاً واحداً - وباحتمال أرجح في عبارة يحيى، إذ لا مانع عندنا - أن يكون يحيى عليه السلام قد بشر بها بعيسى عليه السلام.
أما بشارة عيسى فلا موضع لها إلا الحمل - القطعى - على رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم.
وفى صيغة الصلاة التي علمها المسيح لتلاميذه - كما يروى مَتَّى نفسه - بشارة أخرى بنبي الإسلام. وهذا هو نص مَتَّى في هذا"فصلوا أنتم هكذا: أبانا الذي في السماوات ليتقدس اسمك ليأت ملكوتك".
ووردت هذه الصيغة في إنجيل لوقا هكذا:
"متى صليتم فقولوا: أبانا الذي في السماوات ليتقدس اسمك ليأت ملكوتك ..".
ويذكر لوقا أن المسيح جمع تلاميذه، وعلمهم كيف يقهرون الشياطين، ويشفون الأمراض ثم قال:"وأرسلهم ليكرزوا - أي يبشروا - بملكوت الله".
أما مرقس فيسند هذه البشارة إلى المسيح نفسه إذ يقول:"جاء يسوع إلى الجبل يكرز ببشارة ملكوت الله ويقول: قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله".
فهؤلاء ثلاثة من التلامذة يتفقون على أن يحيى وعيسى (عليهما السلام) قد بشرا بملكوت الله الذي اقترب. فمن المراد بملكوت الله إذا لم يكن هو رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم؟
وأكاد أجزم بأن عبارة"المسيح، قد كمل الزمان"لا تعني سوى انتهاء عصر الرسالات الموقوتة وإقبال الرسالة الخالدة .. !
أما يوحنا صاحب رابع الأناجيل. فإنه يذكر هذه البشارات في مواضع متعددة من إنجيله. ومن ذلك ما يرويه عن المسيح عليه السلام"الذي لا يحبنى لا يحفظ كلامى، والكلام الذي تسمعونه ليس لي بل للأب الذي أرسلنى. بهذا كلمتكم وأنا عندكم. وأما المعزى (اسم فاعل من الفعل المضعف العين عزى) (19) الروح القدس، الذي سيرسله الأب باسمى فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بما قلته لكم".
كما يروى يوحنا قول المسيح - الآتي - مع تلاميذه:"إنه خير لكم أن انطلق. إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم. ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية، وعلى بر وعلى دينونة" (21) .