ثم استوعبت رسالته الحياة كلها فأرست قواعد الاعتقاد الصحيح وسنت طرق العبادة المثمرة، ووضعت أصول التشريع في كل ما هو متعلق بالحياة عاجلها وآجلها، ووضحت العلاقة السليمة بين المخلوق والخالق، وبين الناس بعضهم بعضاً. وحررت العقول، وطهرت القلوب ورسمت طريق الهدى لكل نفس ولكل جماعة ولكل أمة. أي أنها أرشدت إلى كل شيء. وعلمت كل شيء مما يحتاج تعلمه إلى وحي وتوقيف .. !
ذلك هو الإسلام، ولا شيء غير الإسلام.
وشهدت - فيما شهدت - للمسيح عليه السلام بأنه رسول كريم أمين أدى رسالته وبشر وأنذر بني إسرائيل. وأنه عبده ورسوله (ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون) (23) .
وشهادة رسول الإسلام لعيسى عليه السلام منصوص عليها في بشارات عيسى نفسه به (صلى الله عليه وسلم) . فاسمع إلى يوحنا وهو يروى عن المسيح عليه السلام قوله الآتي."ومتى جاء المعزَّى الذي سأرسله"أنا"إليكم من الأب روح الحق من عند الأب ينبثق فهو يشهد لي .. وتشهدون أنتم أيضاً لأنكم معى من الابتداء" (24) .
روح القدس هذا، أو المعزَّى، أو روح الحق لا يمكن أن يكون عيسى؛ لأن عيسى لم يبشر بنفسه، وهو كان موجوداً ساعة قال هذا ولا يمكن أن يكون المراد به نبياً بعد عيسى غير محمد (صلى الله عليه وسلم) لأننا متفقون على أن عيسى لم يأت بعده نبي قبل رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم.
فتعين أن يكون روح القدس، أو المعزَّى، أو روح الحق تبشيرا بمحمد صلى الله عليه وسلم إذ فيه تجتمع تلك الأوصاف، كما يتحقق فيه معنى"الأفضلية"إذ هو خاتم النبيين، الذي جاء بشريعة خالدة عامة، وعلى هذا حملنا قبلا قول عيسى: خير لكم أن أنطلق. إن لم أنطلق لا يأتيكم المُعَزِّى""
وهذا إقرار من عيسى بأن المبشر به أفضل من المُبَشِّر وكفى بذلك شواهد.
أما البشارة باسم"الفارقليط"فقد خلت منها الترجمات العربية المعاصرة للكتاب المقدس. ومعلوم أن الكتاب المقدس خضع للترجمات وطبعات متعددة؛ لدرجة أن الترجمات العربية لتختلف من نسخة إلى أخرى اختلافا بيناً.
وتحت يدي - الآن - نسختان من الطبعات العربية كلتاهما خاليتان من كلمة الفارقليط، وموضوع مكانها كلمة المعزى.