وأشاد ترتون (ص 145 - 147) بتسامح المسلمين فقال: (والكُتّاب المسلمون كريمون في تقدير فضائل هؤلاء ممن على غير ملتهم، حتى ليسمون حنين بن إسحق برأس أطباء عصره، وهبة الله بن تلميذ بأبوقراط عصره، وجالينوس دهره.
(وكان بختيشوع بن جبرائيل ينعم بعطف الخليفة المتوكل، حتى إنه كاد يضاهيه في ملابسه وفي(حسن الحال، وكثرة المال، وكمال المروءة. ومباراته في الطيب والجواري والعبيد) . ولما مرض سلمويه بعث المعتصم ابنه لزيارته، ولما مات أمر بأن تحضر جنازته إلى القصر، وأن يصلى عليه بالشموع والبخور جريًا على عادة النصارى، وامتنع المعتصم يوم موته عن أكل الطعام.
(أما يوحنا بن ماسويه فقد خدم الخلفاء العباسيين منذ الرشيد إلى المتوكل وكان لا يغيب قط عن طعامهم، فكانوا لا يتناولون شيئًا من أطعمتهم إلا بحضرته، ومن ثم لم يكن هناك أدنى كُلفة بينه وبين الخليفة المتوكل، فكان الخليفة يداعبه في رفق ولين) .
(واشتهر من بين أهل الذمة كثير في ميدان الآداب والفنون، فيقول ترتون: ظلت علاقات العرب برعاياهم في ميدان الآداب والفنون علاقات طيبة قائمة على المودة خلال القرنين الأول والثاني للهجرة، بل إن كثير من هذه المودة استمر بعد هذه الفترة، وقد اصطنعت الحكومة مهندسين وعمالاً من غير المسلمين.
"درس كثير من الذميين على أيدي مدرسين وفقهاء مسلمين، من ذلك أن حنين بن إسحق درس على أيدي الخليل بن أحمد وسيبويه حتى أصبح حجة في العربية." (الأصفهاني: الأغاني جـ 8 ص 136 في الحاشية) .
وتتلمذ يحيى بن عدي بن حميد ـ أفقه رجال عصره في المنطق ـ على يد الفارابي.
ودرس ثابت بن قرة على يد عليّ بن الوليد من رجال المعتزلة، وكان حسن الخط، متمكنًا من الأدب، وتدل مؤلفاته وكتبه على عمق تفكيره، وقوة معرفته. وما لبث أن اعتنق الإسلام. (ابن أبى أصيبعة: طبقات الأطباء جـ 1 ص 185) .