"لقد كان أهل الذمة المسيحيون، والزرادشتيون، واليهود، والصابئون يتمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح لا نجد لها نظيرًا في البلاد المسيحية في هذه الأيام، فلقد كانوا أحرارًا في ممارسة شعائر دينهم، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم، ولم يفرض عليهم أكثر من ارتداء زي ذي لون خاص وأداء ضريبة عن كل شخص تختلف باختلاف دخله، وتتراوح بين دينار وأربعة دنانير. ولم تكن هذه الضريبة تفرض إلا على غير المسلمين القادرين على حمل السلاح، ويعفى منها الرهبان، والنساء، والذكور الذين هم دون البلوغ، والأَرِقَّاء، والشيوخ، والعَجَزة، والعُمي، والشديدو الفقر، وكان الذميون يعفون في نظير ذلك من الخدمة العسكرية، أو إن شئت فقل لا يُقبلون فيها، ولا تفرض عليهم الزكاة البالغ قدرها 2.5 % من الدخل السنوي. (الزكاة ليست على الدخل السنوي، بل على رأس المال النامي وما يدره من دخل. مثل زكاة النقود والتجارة. وبعض أنواع الزكاة مثل دخل الاستغلال الزراعي فيه 10% أو 5% حسب طريقة الري كما هو مقرر في الفقه) . وكان لهم على الحكومة أن تحميهم، ولم تكن تُقبل شهادتهم في المحاكم الإسلامية، ولكنهم كانوا يتمعتون بحكم ذاتي يخضعون فيه لزعمائهم، وقضاتهم وقوانينهم" (قصة الحضارة جـ 13 ص 131) .
أما العصر العباسي ـ عصر ازدهار الحضارة الإسلامي ـ ومكانة أهل الذمة فيه، فيكفينا مؤنة الحديث فيه صفحة أخرى ننقلها من كتاب (الإسلام وأهل الذمة) (الإسلام وأهل الذمة ص 170) للدكتور الخربوطلي، لأنه يعتمد فيما يقرره على المراجع التاريخية الأساسية، أو على كتابات المستشرقين أنفسهم. يقول:
(اشتهر من بين أهل الذمة في العصر العباسي كثير من العظماء، مثل جرجيس بن بختيشوع طبيب الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، وقد وثق الخليفة فيه وأكرمه، ومن هؤلاء جبرائيل بن بختيشوع طبيب هارون الرشيد. الذي قال الرشيد عنه: كل من كانت له حاجة إلى فليخاطب بها جبريل؛ لأني أفعل كل ما يسألني فيه، ويطلبه مني. وكان مرتب الطبيب عشرة آلاف درهم شهريًا. ومن هؤلاء أيضًا ماسويه الذي كان الرشيد يجري عليه ألف درهم سنويًا، ويصله كل سنة بعشرين آلفًا) .