ويضرب المؤرخ ترتون لتسامح العباسيين مع أهل الذمة مثلاً فيقول: (يمكن اتخاذ إبراهيم بن هلال مثالاً لما قد يصير إليه الذمي من بلوغ أرفع المناصب في الدولة، فقد تقلد إبراهيم الأعمال الجليلة، فامتدحه الشعراء، وعرض عليه عز الدولة باختيار بن معز الدولة البويهي أن يوليه الوزارة إن أسلم فامتنع، وكان إبراهيم بن هلال حسن العشرة مع المسلمين عفيفًا في مذهبه، وكان بينه وبين الصاحب إسماعيل بن عباد، والشريف الرضي، مراسلات ومواصلات رغم اختلاف الملل، وكان إبراهيم حافظًا للقرآن) (ابن خلكان: وفيات الأعيان جـ 3 ص 256) .
واهتم الكُتّاب المسلمون بالأديان والمذاهب، فكان ابن حزم الأندلسي (456 هـ - 1064 م) ملمًا بالإنجيل واللاهوت المسيحي إلمامًا تامًا. وألم ابن خلدون بالإنجيل والتنظيمات الكنسية وتحدث عن بعضها في مقدمته، وكان القلقشندي يرى ضرورة معرفة الكاتب بأعياد الذميين الدينية، وذكر المقريزي كثيرًا من التفاصيل عن أعياد النصارى واليهود، وتحدث عن فرقهم المختلفة، وذكر أسماء بطارقة الإسكندرية، وتحدث كلٌّ من القزويني والمسعودي عن طوائف أهل الذمة. نرى هذا واضحًا في كتاب (التنبيه والإشراف) ـ للمسعودي.
واعترف ترتون بتسامح الحكام المسلمين فقال: (كان سلوك الحكام المسلمين في الغالب أحسن من القانون المفروض عليهم تنفيذه على الذميين وليس أدل على ذلك من كثرة استحداث الكنائس وبيوت العبادة في المدن العربية الخالصة، ولم تخل دواوين الدولة قط من العمال النصارى واليهود: بل إنهم كانوا يتولون في بعض الأحيان أرفع المناصب وأخطرها فاكتنزوا الثروات الضخمة، وتكاثرت لديهم الأموال الطائلة، كما اعتاد المسلمون المساهمة في الأعياد المسيحية) (أهل الذمة في الإسلام ص 256)
الباب الخامس: رد الشبهات
ختم رقاب أهل الذمة
ومن هذه الشبهات مسألة ختم رقاب أهل الذمة، وشبهتهم هذه تقوم على تصوير الأمر كما يلي:
1.إن هذا الختم أمر دائم ومستمر.
2.إن المسلمين هم مبتكرو هذا النظام.
3.إنه يحمل صورة الإذلال والاضطهاد لأهل الذمة.