وقرأ الجمهور: {لَا تُقَدِّمُوا} بضم التاء وفتح القاف وكسر الدال المشددة، من قدّم المضاعف، فاحتمل أن يكون متعدّيًا، وحذف مفعوله؛ ليتناول كل ما يقع في النفس مما تقدم: كالصوم والأضحية، أو ترك المفعول للقصد إلى نفس الفعل، كقولهم: هو يعطي ويمنع، فلم يقصد لشيء معين، بل النهي متعلق بنفس الفعل دون تعرّض لمفعول معيّن، واحتمل أن يكون لازمًا بمعنى: تقدم، نحو: وحسنة بمعنى: توجَّه، ويكون المحذوف مما يوصل إليه بحرف؛ أي: لا تتقدموا في شيء ما من الأشياء، ويعضد هذا الوجه قراءة ابن عباس وأبي حيوة والضحاك ويعقوب، وابن مقسم: {لا تقدموا} بفتح التاء والقاف والدال على اللزوم، وحذفت التاء تخفيفًا؛ إذ أصله: لا تتقدموا. وقرأ بعض المكيين: {تقدّموا} بشدّ التاء، أدغم تاء المضارعة في التاء بعدها: كقراءة البزي، وقرئ: {لا تقدموا} مضارع قدم بكسر الدال، من القدوم؛ أي: لا تقدموا إلى أمر من أمور الدين قبل قدومها, ولا تعجلوا عليها، وقرئ: {لا تقدموا} بضم التاء وكسر الدال، من أقدم الرباعي؛ أي: لا تقدموا على شيء، وقال مجاهد: لا تفتئتوا على الله شيئًا حتى يقصه الله على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وفي هذا النهي توطئة لما يأتي بعد من نهيهم عن رفع أصواتهم.
فائدة: ذكر في هذه السورة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} خمس مرات، والمخاطبون فيها المؤمنون، والمخاطب به أمر أو نهي، وذكر فيها: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} مرةً، والمخاطبون فيها يعمّ المؤمنين والكافرين، كما أنّ المخاطب به وهو قوله: {إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} يعمهما. فناسب فيها ذكر الناس. انتهى."فتح الرحمن".
ولمّا نهى من التقدّم .. أمر بالتقوى؛ لأنّ من التقوى اجتناب المنهي عنه، فقال: {وَاتَّقُوا اللَّهَ} ؛ أي: خافوا الله، وراقبوه في كل ما تأتون وما تذرون من الأقوال والأفعال، ثمّ علل ما أمر به من التقوى بقوله: {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ} لأقوالكم {عَلِيمٌ} بأفعالكم، فمن حقّه: أن يُتقى ويُراقب.