اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّتِي عُجِّلَتْ لَهُمْ، فَقَالَ جَمَاعَةٌ: غَنَائِمُ خَيْبَرَ وَالْمُؤَخَّرَةُ سَائِرُ فُتُوحِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ.
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «عَجَّلَ لَكُمْ خَيْبَرَ»
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِذَلِكَ الصُلْحُ الَّذِي كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ.
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ بِالصَّوَابِ مَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَهُوَ أَنَّ الَّذِيَ أَثَابَهُمُ اللَّهُ مِنْ مَسِيرِهِمْ ذَلِكَ مَعَ الْفَتْحِ الْقَرِيبِ الْمَغَانِمَ الْكَثِيرَةَ مِنْ مَغَانِمِ خَيْبَرَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَغْنَمُوا بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ غَنِيمَةً، وَلَمْ يَفْتَحُوا فَتْحًا أَقْرَبَ مِنْ بَيْعَتِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحُدَيْبِيَةِ إِلَيْهَا مِنْ فَتْحِ خَيْبَرَ وَغَنَائِمِهَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً} فَهِيَ سَائِرُ الْمَغَانِمِ الَّتِي غَنِمُهُمُوهَا اللَّهُ بَعْدَ خَيْبَرَ، كَغَنَائمِ هَوَازِنَ، وَغَطَفَانَ، وَفَارِسَ، وَالرُّومِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ كَذَلِكَ دُونَ غَنَائِمِ خَيْبَرَ، لِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ عَجَّلَ لَهُمْ هَذِهِ الَّتِي أَثَابَهُمْ مِنْ مَسِيرِهِمُ الَّذِي سَارُوهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَكَّةَ، وَلَمَّا عَلِمَ مِنْ صِحَّةِ نِيَّتِهِمْ فِي قِتَالِ أَهْلِهَا، إِذْ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلَى أَنْ لَا يَفِرُّوا عَنْهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الَّتِيَ عُجِّلَتْ لَهُمْ غَيْرُ الَّتِي لَمْ تُعَجَّلْ لَهُمْ.
وَقَوْلُهُ: {وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِأَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ: وَكَفَّ اللَّهُ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ عَنْكُمْ
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ كُفَّتْ أَيْدِيهِمْ عَنْهُمْ مَنْ هُمْ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمُ الْيَهُودُ كَفَّ اللَّهُ أَيْدِيَهُمْ عَنْ عِيَالِ الَّذِينَ سَارُوا مِنَ الْمَدِينَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَكَّةَ.
عَنْ قَتَادَةَ، {وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ} «عَنْ بُيُوتِهِمْ، وَعَنْ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ حِينَ سَارُوا إِلَى الْحُدَيْبِيَةِ وَإِلَى خَيْبَرَ، وَكَانَتْ خَيْبَرُ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ»