17 - {اللَّهُ} الذي يستحق منكم العبادة، أيها الناس هو {الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ} ؛ أي: جنس الكتاب حال كونه متلبسًا {بِالْحَقِّ} في أحكامه وأخباره، بعيدًا من الباطل، أو بما يحق إنزاله من العقائد والأحكام {وَالْمِيزَانَ} ؛ أي: وأنزل الشرع الذي يوزن به الحقوق، ويسوى به بين الناس على أن يكون لفظ الميزان، مستعارًا للشرع، تشبيهًا له بالميزان العرفي، من حيث إنه يوزن به الحقوق الواجبة الأداء، سواء كان من حقوق الله، أو من حقوق العباد، أو نفس العدل والتسوية، بأن أنزل الأمر به في الكتب الإلهية، فيكون تسمية العدل بالميزان، تسمية المسمى باسم آلته، فإن الميزان آلة العدل، أو أنزل آلة الوزن، والوزن معرفة قدر الشيء، فيكون المراد بالميزان معناه الأصلي وإنزاله إما حقيقة لما رُويَ أن جبرائيل عليه السلام نزل بالميزان, فدفعه إلى نوح عليه السلام، فقال له: مر قومك يزنوا به، وقيل: نزل آدم عليه السلام، بجميع آلات الصنائع، وإما مجاز عن إنزال الأمر به، واستعماله في الإيفاء والاستيفاء.
والمعنى: الله أنزل كتبه على أنبيائه حاوية للحق، الذي لا شبهة فيه، بعيدة من الباطل، الذي لا خير فيه، وأنزل العدل ليقضي بين الناس بالإنصاف، ويحكم بينهم بحكمه، الذي أمر به في كتابه، ونحو الآية قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} .