وفيه إشارة إلى أنهم استجابوا له تعالى يوم الميثاق بقولهم: بلى حين قال لهم المولى: ألست بربكم، ثم لما نزلوا من عالم الأرواح إلى عالم الأشباح، نسوا الإقرار والعهد، فأخذوا في المحاجة والإنكار، بخلاف المؤمنين، فإنهم ثبنوا على التصديق والإقرار، قال مجاهد: وهؤلاء قوم توهموا أن الجاهلية تعود، وقال قتادة: هم اليهود والنصارى ومحاجتهم قولهم: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، وكانوا يرون لأنفسهم الفضيلة، بأنهم أهل كتاب، وأنهم أولاد الأنبياء، وكان المشركون يقولون: {أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} فنزلت هذه الآية.
والموصول مبتدأ أول {حُجَّتُهُمْ} مبتدأ ثان {دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} خبر الثاني، والجملة خبر الأول؛ أي: زائلة باطلة بل لا حجة لهم أصلًا، وإنما عبّر عن أباطيلهم بالحجة، مجاراة على زعمهم الباطل {وَعَلَيْهِمْ} ؛ أي: وعلى أولئك المحاجين {غَضَبٌ} عظيم من الله تعالى، لمكابرتهم الحق بعد ظهوره، ومجادلتهم بالباطل {وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} في الآخرة على كفرهم الشديد، وضلالهم البعيد، لا يعرف كنهه، وهو عذاب النار.
والمعنى: أي والذين يجادلون المؤمنين، المستجيبين لله ورسوله، ليصدوهم عما سلكوه من طريق الهدى، حجتهم زائفة لا تقبل عند ربهم وعليهم غضب منه؛ لأنهم ماروا في الحق بعدما تبين، ولهم عذاب شديد يوم القيامة، لتركهم الحق، بعد أن وضحت محجته عنادًا واستكبارًا