ومنها: قوله: {وَهَبْ لِى مُلْكًا لا يَنبَغِى لاحَدٍ مِّن بَعْدِى} ؛ أي: يكون ذلك موهوباً له بحيث لا ينزعه منه ويؤتيه من ويؤتيه كما هي السنة الإلهية جارية فيه.
ومنها: قوله: {لا يَنبَغِى لاحَدٍ مِّن بَعْدِى} ؛ أي: لا يطلبه أحد غيري لئلا يقع في فتنة الملك على مقتضى قوله تعالى: {إِنَّ الإنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّءَاهُ اسْتَغْنَى} (العلق: 6 ، 7) ، فإن الملك جالب للفتنة كما كان جالباً لها إلى سليمان بقوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ} .
ومنها: قوله: {لا يَنبَغِى لاحَدٍ مِّن بَعْدِى} ؛ أي: لا يكون هذا الملك ملتمس أحد منك غيري للتمتع والانتفاع به ، وهو بمعزل عن قصدي ونيتي في طلب هذا ، فإن لي في طلب هذا الملك نية لنفسي ونية لقلبي ونية لروحي ونية للممالك بأسرها ونية للرعايا.
فأما نيتي لنفسي فتزكيتها عن صفاتها الذميمة وأخلاقها اللئيمة.
وذلك في منعها عن استيفاء شهواتها وترك مستلذاتها النفسانية بالاختيار دون الاضطرار وإنما يتيسر ذلك بعد القدرة الكاملة عليه بالمالكية والملكية بلا مانع ولا منازع ، وكماليته في المملكة بحيث لا يكون فيها ما يحرك داعية من دواعي البشرية المركوزة في جبلة الإنسان ليكون كل واحدة من المشتهيات والمستلذات النفسانية محركة لداعية تناسبها عند تملكها ، والقدرة عليها عند توقان النفس إليها وغلبات هواها فيحرم على النفس مراضعها ويحرمها من مشاربها وينهاها عن هواها خالصاً ، وطلباً لمرضاته فتموت النفس عن صفاتها كما يموت البدن عند إعواز فقدان ما هو غذاء يعيش به ، فإذا ماتت عن صفاتها الذميمة يحييها الله بالصفات الحميدة كما قال: {فَلَنُحْيِيَنَّه حَيَواةً طَيِّبَةً} (النحل: 97) .