وقال: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} (الشمس: 9) ، فلا يبقى لها نظر إلى الدنيا وسائر نعمها كما كان حال سليمان لم يكن له نظر إلى الدنيا ونعيمها ، وإنما كان مع تلك الوسعة في المملكة يأكل كسرة من كسب يده مع جليس مسكين ويقول: مسكين جالس مسكيناً ، وأما نيته لقلبه فتصفيته عن محبة الدنيا وزينتها وشهواتها وتوجيهه إلى الآخرة بالإعراض عنها عند القدرة عليها والتمكن فيها ، ثم صرفها في سبيل الله وقلع أصلها من أرض القلب ، ليبقى القلب صافياً من الدنس قابلاً للفيض الإلهي ، فإنه خلق مرآة لجميع الصفات الإلهية.
وأما نيته لروحه فلتحليته بالأخلاق الحميدة الربانية ولا سبيل إليها إلا بعلو الهمة وخلوص النية ، فإن المرء يطير بهمته كالطائر يطير بجناحيه وتربية الهمة بحسب نيل المقاصد الدنيوية الدينية وصرفها في نيل المراتب الدينية الأخروية الباقية ، وإن ترك المقاصد الدنيوية الدينية ، وإن كان أثر التربية الهمة ولكن لا يبلغ حد أثر صرف ما يملك من المقاصد الدنيوية لنيل الدرجات العلية فلما كان من أخلاق الله أن يحب معالي الأمور ويبغض سفسافها.
التمس سليمان أقصى مراتب الدنيا ونهاية مقاصدها لئلا يلتفت ويستعملها في تربية الهمة لتتخلى روحه بأن يحسن إليهم ويؤلف قلوبهم ببذل المال والجاه ، فإن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها ، فإنهم إذا أحبوا نبي الله لزمهم حب الله ، فيكون حب الله وحب نبيه في قلوبهم محض الإيمان ، ومن لم يمكن أن يؤمن بالإحسان ، فيدخلهم في الإيمان بالقهر والغلبة بأن يأتيهم بجنود لم يروها كما أدخل بلقيس وقومها في الإيمان.
وأما نيته للممالك ، فبأن يجعل الممالك الدنيوية الفانية أخروية باقية بأن يتوسل بها إلى الحضرة بصرفها بإظهار الدين وإقامة الحق وإعلاء كلمة الإسلام.
فإن قيل قوله: {لا يَنبَغِى لاحَدٍ مِّن بَعْدِى} ، هل يتناول النبي عليه السلام أو لا؟.