وعلى كل تقدير قعد سليمان يوماً بعد ما صلى الظهر على كرسيه وكان يريد جهاداً ، فاستعرض تلك الأفراس ؛ أي: طلب عرضها عليه ، فلم تزل تعرض عليه وهو ينظر إليها ويتعجب من حسنها حتى غربت الشمس وغفل عن العصر ، وكانت فرضاً عليه كما في"كشف الأسرار"، وعن ورد: كان له من الذكر وقتئذٍ وتهيبه قومه فلم يعلموه فاغتم لما فاته بسبب السهو والنسيان فاستردها فعقرها تقرباً إلى الله وطلباً لمرضاته على أن يكون العقر قربة في تلك الشريعة ، ولذا لم ينكر عليه فعله أو مباحاً في ذلك اليوم ، وإنما أراد بذلك الاستهانة بمال الدنيا لمكان فريضة الله كما قال أبو الليث فلم يكن من قبيل تعذيب الحيوان.
يقول الفقير: سر العقر هاهنا هو أن تلك الخيل لما شغلته عن القيام إلى الصلاة كان العقد كفارة موافقة له.
وقال بعضهم: المراد من العقر: الذبح فيكون تقديم السوق كما يأتي لرعاية الفاصلة ، فذبحها وتصدق بلحومها.
وكان لحم الخيل حلالاً في ذلك الوقت وإنما لم يتصدق بها ، لأنه يحتاج إلى زمان ووجدان محل صالح له.
والحاصل: أنه ذبح تسعمائة وبقي مائة وهو ما لم يعرض عليه بعد فما في أيدي الناس من الجياد ، فمن نسل تلك المائة الباقية كذا.
قالوا: وفيه أن هذا يؤيد كون تلك الخيل قد أخرجت من البحر إذ لو كانت من غنائم الغزو لم يلزم أن يكون نسل الجياد من تلك المائة لوجود غيرها في الدنيا ، وأيضاً على تقدير كونها ميراثاً من أبيه بالمعنى الثاني كما سبق تكون أمانة في يده.
والأمانة لا تعقر ولا تذبح كما لا يخفى.