استئناف لبيان قصته - عليه السلام - ويجوز أن يكون تعليلا لقوته في الدين وأوَّابيته إلى الله - عَزَّ وَجَلَّ - وإيثار ذكر لفظ"معه"، على"اللاَّم"في الآية الكريمة لأن تسخير الجبال له لم يكن بطريق التَّفويض بالتصرف المطلق فيها كتسخير الرِّيح لسليمان بل بطريق الاقتداء في عبادة الله - تعالى - أَي: إنَّا ذلَّلنا له الجبال وسخرناها تسبح معه آخر النهار ووقت الضحى، رُوى عن أَم هانئ بنت أبي طالب: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلَّى صلاة الضحى وقال:"هذه صلاة الإشراق"وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد: عن عطاء الخراساني أن ابن عباس قال: لم يزل في نفسي من صلاة الضحى شيءٌ حتى قرأْت هذه الآية {يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ} وفي رواية عنه أَيضا: ما عرفت صلاة الضحى إلاَّ بهذه الآية، وللعلماء في صلاة الضحى كلام طويل والحق سنِّيتها، وقد ورد فيها - كما قال الشيخ ولي الدين بن العراقي - أحاديث كثيرة مشهورة حتى قال محمد بن جرير الطبري: بلغت مبلغ التواتر، وذكر الشافعية: أنها أفضل التطوع بعد الرواتب، لكن النووي قدَّم عليها صلاة التَّراويح، وأقلها ركعتان، لخبر البخاري: عن أبي هريرة
أنه - عليه الصلاة والسلام - أوصاه بهما وأَلاَّ يدعهما. وأدنى كمالها: أَرْبَع، فسِتٌّ, فثمانٍ.
19 - {وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ} :
وذلَّلنا لداود الطير وسخَّرناها مجموعة من كل صنف ومكان {كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ} أَي: كل واحد من الجبال والطير لأجل تسبيحه رجّاع إلى التسبيح، قال ابن عباس: كان داود إذا سبَّح جاوبته الجبال، واجتمعت إليه الطير فسبحت معه، فاجتماعها إليه: حشرها.
فالمعنى: وسخَّرنا الطير مجموعة إليه لتسبِّح الله معه، ويجوز أَن يكون الضمير في {كُلٌّ لَهُ} عائدا على الله - تعالى - لا على داود، والمعنى: كل من داود والجبال والطير: أَوّاب لله - تعالى -، أَي: مسبِّح مرجِّع للتسبيح.
20 - {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} :