وقوله - تعالى: {وَقَالَ الْكَافِرُونَ} فيه وضع الظَّاهر موضع الضمير غضبًا عليهم وذمًّا لهم، وإِيذانًا بأنه لا يتجاسر على مثل ما يقولون إلاَّ المتوغِّلون في الكفر.
5 - {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} :
أَي: أَزعم أَن المعبود واحد لا إله إلا هو، أنكر المشركون ذلك - قبحهم الله تعالى - وتعجَّبوا من ترك الشرك بالله لأنهم كانوا قد تلقَّوا عن آبائهم حُبَّ عبادة الأَوثان، وأشربته قلوبهم، فلما دعاهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى خلع ذلك من قلوبهم وإِفراد الإله بالوحدانية. أَعظموا ذلك, وتعجَّبوا غاية العجب وأَشده, وقالوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} .
وقيل: مدار تعجبهم عدم وفاءِ علم الإِله الواحد قدرته بالأَشياءِ الكثيرة الموجودة في هذا الكون الكبير، أَخرج الترمذي وصححه عن ابن عباس قال: لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل فقالوا: إنَّ ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته، فبعث إِليه فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس فخشي أبو جهل إن جلس إلى أبي طالب أن يكون أَرقَّ عليه فجلس في ذلك المجلس فلم يجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مجلسًا قرب عمه فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: أَي ابن أخي ما بال قومك يشكونك؟ يزعمون أَنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول, قال: وأَكثروا عليه القول، وتكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال:
يا عم، إِنى أُريدهم على كلمة واحدة يقولونها يدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية ففرحوا لكلمته ولقوله، فقال القوم: ما هي؟ وأَبيك لَنُعْطِينَّها وعشرا، قال: لَا إله إلاَّ الله. فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: أَجعل الآلهة إِلها واحدًا إن هذا لشيءٌ عجاب، وفي رواية: أَنهم قالوا: سلْنا غير هذا. فقال - عليه الصلاة والسلام: لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سأَلتكم غيرها، فغضبوا وقاموا غِضابًا وقالوا: والله لنشتمنك وإلهك الذي يأْمرك بهذا.