وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا لُغَتَانِ، وَذَلِكَ أَنَّا لَمْ نَجِدْ أَحَدًا مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي قِرَاءَتِهِ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَعْنَى الضَّمِّ فِيهِ وَالْفَتْحِ، وَلَوْ كَانَ مُخْتَلَفُ الْمَعْنَى بِاخْتِلَافِ الْفَتْحِ فِيهِ وَالضَّمِّ، لَقَدْ كَانُوا فَرَّقُوا بَيْنَ ذَلِكَ فِي الْمَعْنَى فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَبِأَيٍّ الْقِرَاءَتَيْنِ قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ. وَأَصْلُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: أَفَاقَتِ النَّاقَةُ، فَهِيَ تَفِيقُ إِفَاقَةً، وَذَلِكَ إِذَا رَدَّتْ مَا بَيْنَ الرَّضْعَتَيْنِ وَلَدَهَا إِلَى الرَّضْعَةِ الْأُخْرَى، وَذَلِكَ أَنْ تُرْضِعَ الْبَهِيمَةَ أُمُّهَا، ثُمَّ تَتْرُكْهَا حَتَّى يَنْزِلَ شَيْءٌ مِنَ اللَّبَنِ، فَتِلْكَ الْإِفَاقَةُ؛ يُقَالُ إِذَا اجْتَمَعَ ذَلِكَ فِي الضَّرْعِ فَيْقَةٌ، كَمَا قَالَ الْأَعْشَى:
[البحر البسيط]
حَتَّى إِذَا فَيْقَةٌ فِي ضَرْعِهَا اجْتَمَعَتْ ... جَاءَتْ لِتُرْضِعَ شِقَّ النَّفْسِ لَوْ رَضِعَا
وَقَوْلُهُ: {وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَالَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ مِنْ قُرَيْشٍ: يَا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا كُتُبَنَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَالْقِطُّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الصَحِيفَةُ الْمَكْتُوبَةُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى:
[البحر الطويل]
وَلَا الْمَلِكُ النُّعْمَانُ يَوْمَ لَقِيتُهُ ... بِنِعْمَتِهِ يُعْطِي الْقُطُوطَ وَيَأْفِقُ
يَعْنِي بِالْقُطُوطِ: جَمْعَ الْقِطِ، وَهِيَ الْكُتُبُ بِالْجَوَائِزِ
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِمَسْأَلَتِهِمْ تَعْجِيلَ الْقِطِّ لَهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا سَأَلُوا رَبَّهُمْ تَعْجِيلَ حَظِّهِمْ مِنَ الْعَذَابِ الَّذِي أُعِدَّ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ فِي الدُّنْيَا كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: {إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}
عَنْ قَتَادَةَ: {وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ} "أَيْ نَصِيبَنَا وَحَظَّنَا مِنَ الْعَذَابِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ: قَدْ قَالَ ذَلِكَ أَبُو جَهْلٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا {فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ} الْآيَةَ."