روى ابن مسعود رضي الله عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة، وحول الكعبة ثلاث مائة وستون صنمًا، فجعل يطعهنا بعود في يده، ويقول:" {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81) } ، {قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (49) } ".
والمعنى: أي قل: جاء الإِسلام، ورفعت رايته، وعلا ذكره، وذهب الباطل، فلم تبقَ منه بقيّة تبدئ شيئًا أو تعيده، وأصله في هلاك الحيّ، فإنه إذا هلك لم يبق له إبداءٌ؛ أي: فعل أمر ابتداء ولا إعادة؛ أي: فعله ثانيًا، وأنشدوا لعبيد بن الأبرص.
أَقْفَرَ مِنْ أَهْلِهِ عُبَيْدُ ... فَالْيَوْمَ لَا يُبْدِيء وَلَا يُعِيْدُ
50 -ولما سدَّ عليهم مسالك القول .. لم يبقَ إلا أن يقولوا عنادًا: إنه قد عرض له ما أضلّه عن محجة الصواب، فأمر رسوله أن يقول لهم: {قُلْ} لهم يا محمد: {إِنْ ضَلَلْتُ} عن الطريق الحق - كما تزعمون وتقولون، لقد ضللتَ حين تركت دين آبائك - {فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي} ؛ أي: فإن وبال ضلالي وعقابه عليها؛ لأنه سببها؛ إذ هي الحاملة عليه بالذات، والأمارة بالسوء، وبهذا الاعتبار قوبل الشرطية بقوله: {وَإِنِ اهْتَدَيْتُ} إلى الطريق الحق {فَبِمَا يُوحِي} ؛ أي: فبسبب ما يوحي إليَّ ربي من الحكمة والبيان، فإن الاهتداء بتوفيقه وهدايته.