والمقصود من وصف مكان أخذهم بالقرب سرعة نزول العذاب بهم، والاستهانة بهم، وبهلاكهم، وإلَّا فلا قرب ولا بعد بالنسبة إلى الله عز وجل.
52 - {وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} :
وقالوا: آمنا بالله وحده، أو بمحمد وما جاءنا به من الحق، وكيف يتأتى لهم تناول الإِيمان تناولًا سهلًا من مكان بعيد عن مكان التكليف فلا ينفع إيمانهم عند الموت؛ لأنه في حدود الآخرة، ولا عند البعث لفوات زمان التكليف ومكانه.
53 - {وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} :
هذه الآية جملة حالية من ضمير قالوا في الآية التي قبلها، أي: وقال الكفار: آمنا بالله أو بمحمد من مكان بعيد بعد فوات الأوان، وحالهم أنهم قد كفروا به من قبل - أي: زمن التكليف - وهم أحياءٌ في الدنيا، ويرجمون بالظن ويتكلمون بما لم يظهر في الرسول من المطاعن من موضع بعيد عنه - صلى الله عليه وسلم - إن هذا الإيمان لا ينفعهم بعد فوات الأوان وتبدل المكان.
وفسرها الزمخشري بقوله: {وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} وهو قولهم أي رسول الله - صلى الله عليه وسلم: شاعر ساحر كذاب، وهذا تكلم بالغيب والأمر الخفي؛ لأنهم لم يشاهدوا فيه سحرًا ولا شعرًا ولا كذبًا، وقد أتوا بهذا الغيب من جهة بعيدة عن حاله؛ لأن أبعد شيءٍ مما جاء به الشعر والسحر، وأبعد شيء من عادته التي عرفت بينهم وجُرِّبت - أبعد شيءٍ من عادته - الكذب والجنون.
54 - {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ} :