وهذا الذي جئتكم به هو الحق. الحق القوي الذي يقذف به الله. فمن ذا يقف للحق الذي يقذف به الله؟ إنه تعبير مصور مجسم متحرك. وكأنما الحق قذيفة تصدع وتخرق وتنفذ ولا يقف لها أحد في طريق.. يقذف بها الله {علاّم الغيوب} فهو يقذف بها عن علم ، ويوجهها على علم ، ولا يخفى عليه هدف ، ولا تغيب عنه غاية ، ولا يقف للحق الذي يقذف به معترض ولا سد يعوق. فالطريق أمامه مكشوف ليس فيه مستور!
ويتلوه الإيقاع الرابع في مثل عنفه وسرعته:
{قل: جاء الحق ، وما يبدئ الباطل وما يعيد} ..
جاء هذا الحق في صورة من صوره ، في الرسالة ، وفي قرآنها ، وفي منهجها المستقيم. قل: جاء الحق. أعلن هذا الإعلان. وقرر هذا الحدث. واصدع بهذا النبأ. جاء الحق. جاء بقوته. جاء بدفعته. جاء باستعلائه وسيطرته {وما يبدئ الباطل وما يعيد} .. فقد انتهى أمره. وما عادت له حياة ، وما عاد له مجال ، وقد تقرر مصيره وعرف أنه إلى زوال.
إنه الإيقاع المزلزل ، الذي يشعر من يسمعه أن القضاء المبرم قد قضى ، وأنه لم يعد هناك مجال لشيء آخر يقال.
وإنه لكذلك. فمنذ جاء القرآن استقر منهج الحق واتضح. ولم يعد الباطل إلا مماحكة ومماحلة أمام الحق الواضح الحاسم الجازم. ومهما يقع من غلبة مادية للباطل في بعض الأحوال والظروف ، إلا أنها ليست غلبة على الحق. إنما هي غلبة على المنتمين إلى الحق. غلبة الناس لا المبادئ. وهذه موقوتة ثم تزول. أما الحق فواضح بين صريح.
والإيقاع الأخير:
{قل: إن ضللت فإنما أضل على نفسي. وإن اهتديت فبما يوحي إليَّ ربي. إنه سميع قريب} ..
فلا عليكم إذن إن ضللت. فإنما أضل على نفسي. وإن كنت مهتدياً فإن الله هو الذي هداني بوحيه ، لا املك لنفسي منه شيئاً إلا بإذنه. وأنا تحت مشيئته أسير فضله.
{إنه سميع قريب} ..