ومنه كذلك الإيقاع الثالث ، الذي يقف كل قلب أمام عمله وتبعته ، في أدب كذلك وقصد وإنصاف:
{قل: لا تسألون عما أجرمنا ، ولا نسأل عما تعملون} .
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (28) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (29) }
هذه الجولة تتناول موقف الذين كفروا مما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم وموقف المترفين من كل رسالة ، وهم الذين تغرهم أموالهم وأولادهم ، وما يجدون من أعراض هذه الدنيا في أيديهم ، فيحسبونها دليلاً على اختيارهم وتفضيلهم ؛ ويحسبون أنها مانعتهم من العذاب في الدنيا والآخرة. ومن ثم يعرض عليهم مشاهدهم في الآخرة ، كأنها واقعة ، ليروا إن كان شيء من ذلك نافعاً لهم أو واقياً. وفي هذه المشاهد يتضح كذلك أنه لا الملائكة ولا الجن الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا ، ويستعينونهم يملكون لهم في الآخرة شيئاً.. وفي خلال الجدل يوضح القرآن حقيقة القيم التي لها ثقل في ميزان الله ؛ فتنكشف القيم الزائفة التي يعتزون بها في الحياة ؛ ويتقرر أن بسط الرزق وقبضه أمران يجريان وفق إرادة الله ، وليسا دليلاً على رضى أو غضب ولا على قربى أو بعد. إنما ذلك ابتلاء..
{وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ، ويقولون: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ قل: لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون} ..
يجيء هذا البيان بعد الجولة الماضية ، وما فيها من تقرير فردية التبعة ؛ وأنه ليس بين أصحاب الحق وأصحاب الباطل إلا الدعوة والبيان ، وأمرهم بعد ذلك إلى الله.
ويتبعه هنا بيان وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم وجهلهم بحقيقتها ؛ واستعجالهم له بما يعدهم ويوعدهم من الجزاء ؛ وتقرير أن ذلك موكول إلى موعده المقدور له في غيب الله:
{وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً} ..