ويظهر أن الآية هنا تشير إلى نوع خاص من الشركاء المزعومين. وهم الملائكة الذين كانت العرب تدعوهم بنات الله ؛ وتزعم لهم شفاعة عند الله. ولعلهم ممن قالوا عنهم: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} .. ومن ثم نفى شفاعتهم لهم في الآية التالية. وذلك في مشهد تتفزع له الأوصال في حضرة ذي الجلال:
{ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} ..
فالشفاعة مرهونة بإذن الله. والله لا يأذن في الشفاعة في غير المؤمنين به المستحقين لرحمته. فأما الذين يشركون به فليسوا أهلاً لأن يأذن بالشفاعة فيهم ، لا للملائكة ولا لغيرهم من المأذونين بالشفاعة منذ الابتداء!
ثم صور المشهد الذي تقع فيه الشفاعة ؛ وهو مشهد مذهل مرهوب:
{حتى إذا فزّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير} ..
إنه مشهد في اليوم العصيب. يوم يقف الناس ، وينتظر الشفعاء والمشفوع فيهم أن يتأذن ذو الجلال في عليائه بالشفاعة لمن ينالون هذا المقام. ويطول الانتظار. ويطول التوقع. وتعنو الوجوه. وتسكن الأصوات. وتخشع القلوب في انتظار الإذن من ذي الجلال والإكرام.
ثم تصدر الكلمة الجليلة الرهيبة ، فتنتاب الرهبة الشافعين والمشفوعين لهم.
ويتوقف إدراكهم عن الإدراك.
{حتى إذا فزّع عن قلوبهم} .. وكشف الفزع الذي أصابهم ، وأفاقوا من الروعة التي غمرتهم فأذهلتهم. {قالوا: ماذا قال ربكم؟} يقولها بعضهم لبعض. لعل منهم من يكون قد تماسك حتى وعى. {قالوا: الحق} .. ولعلهم الملائكة المقربون هم الذين يجيبون بهذه الكلمة المجملة الجامعة: {قالوا الحق} .. قال ربكم: الحق. الحق الكلي. الحق الأزلي. الحق اللدني. فكل قوله الحق. {وهو العلي الكبير} .. وصف في المقام الذي يتمثل فيه العلو والكبر للإدراك من قريب..
وهذه الإجابة المجملة تشي بالروعة الغامرة ، التي لا ينطق فيها إلا بالكلمة الواحدة!