ولكن هما متقابلان معنى ، لأن النفس كل ما عليها وضار لها فهو بها وبسببها لأنها الأمارة بالسوء ، وما لها مما ينفعها فبهداية ربها وتوفيقه ، وهذا حكم عام لكل مكلف ، وإنما أمر رسوله أن يسنده إلى نفسه لأن الرسول إذا دخل تحته مع جلالة محله وسداد طريقته كان غيره أولى به {إِنَّهُ سَمِيعٌ} لما أقوله لكم {قَرِيبٌ} مني ومنكم يجازيني ويجازيكم.
{وَلَوْ تَرَى} جوابه محذوف أي لرأيت أمراً عظيماً وحالاً هائلة {إِذْ فَزِعُواْ} عند البعث أو عند الموت أو يوم بدر {فَلاَ فَوْتَ} فلا مهرب أو فلا يفوتون الله ولا يسبونه {وَأُخِذُواْ} عطف على {فَزِعُواْ} أي فزعوا وأخذوا فلا فوت لهم أو على لا فوت على معنى إذ فزعوا فلم يفوتوا وأخذوا {مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} من الموقف إلى النار إذا بعثوا أو من ظهر الأرض إلى بطنها إذا ماتوا أو من صحراء بدر إلى القليب {وَقَالُواْ} حين عاينوا العذاب {آمَنَّا بِهِ} بمحمد عليه السلام لمرور ذكره في قوله
{مَا بصاحبكم مّن جِنَّةٍ} [سبأ: 46] أو بالله {وأنى لَهُمُ التناوش مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ} التناوش: التناول أي كيف يتناولون التوبة وقد بعدت عنهم ، يريد أن التوبة كانت تقبل منهم في الدنيا وقد ذهبت الدنيا وبعدت من الآخرة.
وقيل: هذا تمثيل لطلبهم ما لا يكون وهو أن ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت كما نفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا ، مثلت حالهم بحال من يريد أن يتناول الشيء من غلوة كما يتناول الآخر من قيس ذراع.
{التناؤش} بالهمزة: أبو عمرو وكوفي غير حفص همزت الواو لأن كل واو مضمومة ضمتها لازمة إن شئت أبدلتها همزة وإن شئت لم تبدل نحو قولك"أدور وتقاوم"، وإن شئت قلت"أدؤر وتقاؤم".
وعن ثعلب: التناؤش بالهمز التناول من بعد ، وبغير همز التناول من قرب.