ولما كانت العبادة لا تنفع إلا إذا كان المعبود راضياً بها وكانت خالصة ، قال مبكتاً للمشركين وموبخاً ليكون هناك سؤال وجواب فيكون التقريع أشد والخجل به أعظم ، والخوف والهوان أتم وألزم ويكون اقتصاص ذلك عظة للسامعين ، وزجراً للجاهلين ، وتنبيهاً للغافلين ، على طريق {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} [المائدة: 116] الآيات: {أهؤلاء} أي الضالون ؛ وأشار إلى أنه لا ينفع من العبادة إلا ما كان خالصاً فقال: {إياكم} أي خاصة {كانوا يعبدون} بأفعالهم الاختيارية والقسرية ليعلم أنهم عبيد لكم تستحقون عبادتهم ، وفي التعبير بما يدل على الاختصاص تنبيه لقريش على أنه لا يعتد من العبادة إلا بالخالص {قالوا} أي الملائكة متبرئين منهم مفتتحين بالتنزيه تخضعاً بين يدي البراءة خوفاً من حلول السطوة {سبحانك} أي ننزهك تنزيهاً يليق بجلالك عن أن يستحق أحد غيرك أن يعبد.
ولما كانوا كارهين جداً لعبادتهم ، وكانت فائدة العبادة الوصلة بين العابد والمعبود قالوا: {أنت ولينا} أي معبودنا الذي لا وصلة بيننا وبين أحد إلا بأمره {من دونهم} أي من أقرب منزلة لك من منازلهم منا ، فأنت أقرب شيء إلينا في كل معاني الولاية من العلم والقدرة وغيرهما ، فكيف نترك الأقرب والأقوى ونتولى الأبعد العاجز ، ليس بيننا وبينهم من ولاية ، بل عداوة ، وكذا كل من تقرب إلى شخص بمعصية الله يقسي الله قلبه عليه ويبغضه فيه فيجافيه ويعاديه.