الْمُخْتَار أن الحال لا يجوز تقدمها عَلَى في الحال المجرور لأنه بمنزلة تقدم المجرور عَلَى
الجار في الاستحالة. وقيل لأن الحال لا تتقدم عَلَى معمولها المجرور بالحرف أو بالْإضَافَة
يعني للناس وليس بمُسْتَثْنَى ولا مُسْتَثْنَى منه. قوله عَلَى الْمُخْتَار إشَارَة إلَى أن بعضهم جوزوا
ذلك وجعلوا هذا الوجه أحسن في هذه الآية. ورد الشيخان بما مَرَّ ذكره ورد أَيْضًا بأنه يلزم
منه عمل ما قبل إلا فيما بعدها ولا تابع له وقد منعه النحاة أَيْضًا ويمكن تصحيحه بأن
الاستثناء مفرغ أي وما أرسلناك لشيء من الأشياء إلا لتبليغ النَّاس كافة لكنه تكلف يحتاج
إلى تقدير تبليغ؛ إذ بدونه لا يستقيم الْمَعْنَى والدليل عَلَى عموم رسالته عَلَيْهِ السَّلَامُ هذه الآية.
وقَوْلُه تَعَالَى (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) والأمة
المعصومة اجتمعت عَلَى عموم رسالته عَلَيْهِ السَّلَامُ للناس والجن وسند الْإجْمَاع كثير منه
هذه الآية. وقوله: (قل يَا أَيُّهَا النَّاس) الآية. ومنه قوله عَلَيْهِ السَّلَامُ:
"بعثت إلَى الأحمر والأسود"وهذا وإن كان خبر آحاد لكن بانضمام الْإجْمَاع صار قطعيًا
ومنه إرسال المكاتب إلَى القياصرة والأكاسرة وملوك الحبشة بحَيْثُ يكون متواتر الْمَعْنَى
ولشهرته بين النَّاس حتى الكفرة منهم.
قوله: (فيحملهم جهلهم عَلَى مخالفتك) كأنه أشار بذلك إلَى ارتباط هذه الآية بما
قبلها، والجهل إما حَقيقَة وهو ظَاهر، أو حكمًا وهو الإنكار تعنتًا وعنادًا مع علمه فإن هذا
العلم لعدم فائدته كلا علم ليكون جهلًا حكمًا فالنظم عام له أَيْضًا.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ(29)
قوله: (من فرط جهلهم. [مَتى هذَا الْوَعْدُ] . يعنون المبشر به والمنذر عنه أو الموعود بقوله:
(يَجْمَعُ بَيْنَنا
رَبُّنا) من فرط جهلهم أي من زيادة جهلهم سواء كان الجهل حَقيقَة أو حكمًا
بالإنكار تعنتًا مع علمه فمن وَهِمَ أنه من تعنتهم لا من فرط جهلهم ولذلك عطفه بالواو
دون الفاء فقد وَهِمَ؛ إذ من البديهية أن هذا الْقَوْل ليس بمختص بالمتعنت العالم به، وأما
العطف بالواو دون الفاء فأمر سهل؛ إذ في اسْتعْمَال الواو فسحة تستعمل في مَوْضع الفاء
وغيرها، ولعل اختيار الواو للتنبيه عَلَى أن هذا الْقَوْل منشؤه فرط الجهل فإنهم يدعون امتناع
حشر الأجساد وهو جهل أشد فهو زيادة كيفًا كما يكون زيادة في العلم كيفًا بخلاف الجهل
الذي ذكر فيما قبله فإنه إما أعم أو مختص بالجهل الغير المفرط، وهذا ظَاهر إذا كان الْمُرَاد
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
ما يكون حالًا فجعل خير ما يكون من الكاف المجرور، ومن الأمثلة قول الشاعر:
إذا المرء أعيته المروءة ناشئًا ... فمطلبها [كهلًا عليه] شديدُ
أراد فمطلبها كهلًا شديد. ومن ذلك قول الآخر:
تَسَلَّيْتُ طُرًّا عَنْكُمُ بُعْدَ بَيْنِكُمْ ... بِذِكْراكُمُ، حَتَّى كَأَنَّكُم عِنْدِي
أراد تَسَلَّيْتُ عَنْكُم طُرًّا وربما قدم الحال عَلَى المجرور وعلى ما تعلق له الجار كقوله غافلًا
تعرض للمنية للمرء أراد تعرض المنية للمرء غافلًا.