فقال ابن عطية: في الكلام حذف يدل عليه الظاهر ، كأنه قال: ولا هم شفعاء كما تحبون أنتم ، بل هم عبدة أو مسلمون أبداً ، يعني منقادون ، {حتى إذا فزع عن قلوبهم} .
قال: وتظاهرت الأحاديث عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، أن قوله: {حتى إذا فزع عن قلوبهم} ، إنما هي في الملائكة إذا سمعت الوحي ، أي جبريل ، وبالأمر يأمر الله به سمعت ، كجر سلسلة الحديد على الصفوان ، فتفزع عند ذلك تعظيماً وهيبة.
وقيل: خوف أن تقوم الساعة ، فإذا فزع ذلك عن قلوبهم ، أي أطير الفزع عنها وكشف ، يقول بعضهم لبعض ولجبريل: {ماذا قال ربكم} ؟ فيقول المسؤلون: قال {الحق وهو العلي الكبير} ، وبهذا المعنى من ذكر الملائكة في صدر الآيات تتسق هذه الآية على الأولى ، ومن لم يشعر أن الملائكة مشار إليهم من أول قوله: {الذين زعمتم} لم تتصل له هذه الآية بما قبلها ، فلذلك اضطرب المفسرون في تفسيرها حتى قال بعضهم في الكفار ، بعد حلول الموت: ففزع عن قلوبهم بفقد الحياة ، فرأوا الحقيقة ، وزال فزعهم مما يقال لهم في حياتهم ، فيقال لهم حينئذ: {ماذا قال ربكم} ؟ فيقولون: قال الحق ، يقرون حين لا ينفعكم الإقرار.
وقالت فرقة: الآية في جميع العالم.
وقوله: {حتى} ، يريد في الآخرة ، والتأويل الأول في الملائكة هو الصحيح ، وهو الذي تظاهرت به الأحاديث ، وهذا بعيد. انتهى.
وإذا كان الضمير في {عن قلوبهم} لا يعود على {الذين زعمتم} ، كان عائداً على من عاد عليه الضمير في قوله: {ولقد صدّق عليهم إبليس} ، ويكون الضمير في {عليهم} عائداً على جميع الكفار ، ويكون حتى غاية لقوله: {فاتبعوه} ، ويكون التفزيع حالة مفارقة الحياة ، أو يجعل اتباعهم إياه مستصحباً لهم إلى يوم القيامة مجازاً.
والجملة بعد من قوله: {قل ادعوا} اعتراضية بين المغيا والغاية.