إلا لمن وقع الإذن للشفيع لأجله، هذا إخبار منه تعالى عن عظمته وجلاله، وكبريائه لا يجترئ أحد أن يشفع عنده تعالى في شيء إلا بعد إذنه له في الشفاعة حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ أي حتى إذا كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يتكلم بها رب العزة، في إطلاق الإذن قالُوا أي سأل بعضهم بعضا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ أي قال القول الحق، وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ أي ذو العلو والكبرياء، ليس لملك ولا نبي أن يتكلم ذلك اليوم إلا بإذنه، أو يشفع إلا لمن ارتضى، فإذا كان هذا شأن الله عزّ وجل في العظمة، وذاك شأن آلهتهم في العجز، فكيف يعبدون غير الله، ويتركون عبادة الله، وكيف يكفرون بالله؟.
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بما ينزل من المطر، وينبت من الزرع، أمره بأن يقرّرهم بقوله مَنْ يَرْزُقُكُمْ ثم أمره بأن يتولى الإجابة والإقرار عنهم قُلِ اللَّهُ وذلك للإشعار بأنهم مقرّون به بقلوبهم، إلا أنهم ربما أبوا أن يتكلّموا به؛ لأنّهم إن تفوّهوا بأنّ الله رازقهم، لزمهم أن يقال لهم: فما لكم لا تعبدون من يرزقكم، وتؤثرون عليه من لا يقدر على الرزق؟ ثم أمره أن يقول لهم بعد الإلزام والإلجام، الذي إن لم يزد على إقرارهم بألسنتهم، لم يتقاصر عنه وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ومعناه: وإنّ أحد الفريقين من الموحّدين، ومن المشركين، لعلى أحد الأمرين من الهدى أو الضلال، وفي مجيئه بعد ما تقدم، دلالة غير خفيّة على من هو من الفريقين على الهدى، ومن هو في الضلال المبين، ولكن
التعريض أوصل بالمجادل إلى الغرض، قال ابن كثير: (أي واحد من الفريقين مبطل والآخر محقّ؟ لا سبيل إلى أن تكونوا أنتم ونحن على الهدى، أو على الضلال، بل واحد منا مصيب، ونحن قد أقمنا البرهان على التوحيد، فدل على بطلان ما أنتم عليه من الشرك)