ألا يجعل باسهم بينهم فمنعيها، فلا يزال الهرج إلى يوم القيامة، ودعوته ألا يسلط
عليهم عدوًا من غيرهم فيستأصل شأفتهم فأعطانيها"فلو اجتمع من أقطارها،"
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنون يومئذٍ حملة الإسلام وعمدته، ولم يعط الله رسوله
إلا ما قد سبق في تقديره أنه يكون، فلذلك قال - عز من قائل: (وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ)
لحراسته إياها لهذا التقدير السابق.
ثم عطف على هذا المعنى بقوله: (وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا) ما
استطاعوا استئصال المؤمنين ولا أن يردوا أمر الله، والله المتم نوره والغالب على
أمره، وعطف معطوفا آخر بقوله: (ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ) عطف الإخبار
عن حالهم المعلومة عنده؛ لأنه العالم بما لم يكن كيف يكون وما لا يكون كيف
كأن يكون لو كان، وهؤلاء ممن تقدم ذكرهم أنهم لو جعلهم في جهنم ألف عام ثم
أخرجهم منها قد ضمنوا عن أنفسهم العتبى والرجوع عما كانوا عليه في الدنيا من
الكفر والتكذيب، لأكذبوا أنفسهم ولعادوا لما نهوا عنه.
يقول الله - جل قوله: (وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) فكيف يكون صادقا على حال من
قال الله - جل ثناؤه - فيهم: (وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) فهذا المتلقي في هذه
الآية مصداق لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
ووجه آخر في معنى قوله: (ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا) أنهم لو شاهدوا
حراسة الله وكفايته إياهم عدوهم (ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ) على ذلك (لَآتَوْهَا) ، يقول: لأعطوا
الفتنة من أنفسهم، ولألقوا بأيديهم وكفروا بعد إيمانهم (وَمَا تَلَبَّثُوا) بالفتنة(إِلَّا
يَسِيرًا)يقول: ألا ريثما يأتونها أو يسلموها إلى العدو.
ووجه آخر: (وَمَا تَلَبَّثُوا) في الفتنة التي آتوها (إِلَّا يَسِيرًا)
أي: حتى يغلبوا على أمرهم بأمر الإسلام أو يموتوا، وكل ذلك قليل.
أتبع ذلك بما بيَّن ما أنبأ به من علمه بشأنهم قوله: (وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ
قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ ... (15) . وهذا منهم تولي زائدًا إلى ما كان منهم في