يذكر أنه لا عن غفلة وسهو ترككم هنالك حتى أحاط بكم العدو؛ ولكن أراد أن يمتحنكم محنة عظيمة.
أو يقول: إنه بصير عليم فيجزيكم جزاء عملكم وصبركم على ذلك، واللَّه أعلم.
وقوله: (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا(10)
قَالَ بَعْضُهُمْ: من فوق الوادي ومن أسفل منه.
وقيل: أحاطوا بهم من النواحي جميعًا.
وجائز أن يكون ذلك كناية عن الخوف، أي: أحاطوا بهم حتى خافوا على أنفسهم الهلاك؛ وعلى ذلك يخرج قوله: (وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ) .
وعن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - قال: هذا وصف المنافقين (زَاغَتِ الْأَبْصَارُ) ، أي: شخصت، (وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ) ؛ لشدة خوفهم، كقوله: (أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) ، وأمثال هذا قد وصفهم في غير آي من القرآن ما وصف هاهنا، وهذا يشبه أن يكون.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هذا وصف حال المؤمنين: شخصت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر؛ لفا اشتد بهم الخوف؛ لما أحاطوا بهم من فوق ومن أسفل.
ثم جائز أن يكون ذلك على التمثيل، أي: كادت أن تكون هكذا.
وجائز أن يكون على التحقيق، وهي أن تزول عن أمكنتها، وبلغت ما ذكر، والله أعلم.
وقوله: (وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا) .
قَالَ بَعْضُهُمْ: ظن ناس من المنافقين ظنونا مختلفة، يقولون: هلك محمد وأصحابه، ونحوه من الظنون الفاسدة السوء، وكقوله: (مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا) ، ونحوه.