ف (زاغت الأبصار) يعني: مالتْ عن سَمْتها وسنمها ، وقد خلق الله العين على هيئة خاصة ، بحيث تتحرك إلى أعلى ، وإلى أسفل ، وإلى اليمين ، وإلى الشمال ، ولكل اتجاه منها اسم في اللغة ، فيقولون: رأى أي: بجُمْع عَيْنه ، ولمح بمؤخَّر مُوقِه ، ورمق أي: من ناحية أنفه . . الخ
فسَمْت العين وسَنمها أنْ تتحرك في هذه الاتجاهات ، فإذا فزعتْ من شيء أخذ البصر ، مال عن سَمْته من التحول ، لذلك يقول تعالى: {فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الذين كَفَرُواْ ...} [الأنبياء: 97]
وقال: {إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار} [إبراهيم: 42] وشخوص البصر أنْ يرتفع الجَفْن الأعلى ، وتثبت العين على شيء ، لا تتحرَّك إلى غيره .
وفي موضع آخر قال تعالى عن المنافقين والمعوِّقين: {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ الخوف رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كالذي يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت فَإِذَا ذَهَبَ الخوف سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ...} [الأحزاب: 19]
لأن الهول ساعة يستولي الأعين ، فمرة تشخص العين على ما ترى لا تتعداه إلى غيره من شدة الهول ، ومرة تدور هنا وهناك تبحث عن مفرٍّ أو مخرجٍ مما هي فيه ، فهذه حالات يتعرَّض لها الخائف المفزَّع .
وقوله تعالى: {وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر . .} [الأحزاب: 10] معلوم ان الحنجرة أعلى القصبة الهوائية في هذا التجويف المعروف ، فكيف تبلغ القلوبُ الحناجرَ؟ هذا أثر آخر من آثار الهول والفزع ، فحين يفزع الإنسان يضطرب في ذاته ، وتزداد دقَّات قلبه ، وتنشط حركة التنفس ، حتى ليُخيَّل للإنسان من شدة ضربات قلبه أن قلبه سينخلع من مكانه ، ويقولون فعلاً في العامية (قلبي هينط مني)
وقوله تعالى: {وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا} [الأحزاب: 10]