«فَإِنْ قِيلَ» : فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِفِعْلِ الطَّاعَةِ أَثَرًا فِي اسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى مَيَّزَ الْجَزَاءَ عَنِ الْفَضْلِ وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ بِذَلِكَ، فَإِنَّ عِنْدَكُمُ الْعَبْدَ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَى رَبِّهِ شَيْئًا؟
قُلْنَا نَحْنُ نُثْبِتُ الِاسْتِحْقَاقَ لَكِنْ بِالْوَعْدِ فَذَاكَ الْقَدْرُ هُوَ الْمُسْتَحَقُّ وَالزَّائِدُ عَلَيْهِ هُوَ الْفَضْلُ ثم قال: وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ نَبَّهَ بِهِ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ وَكَمَالِ جُودِهِ وَنَفَاذِ مَشِيئَتِهِ وَسَعَةِ إِحْسَانِهِ، فَكَانَ سُبْحَانَهُ لَمَّا وَصَفَهُمْ بِالْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ فِي الطَّاعَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَكُونُونَ فِي نِهَايَةِ الْخَوْفِ، فَالْحَقُّ سُبْحَانَهُ يُعْطِيهِمُ الثَّوَابَ الْعَظِيمَ عَلَى طَاعَاتِهِمْ، وَيَزِيدُهُمُ الْفَضْلَ الَّذِي لَا حَدَّ لَهُ فِي مقابلة خوفهم.
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ(39)
«فَإِنْ قِيلَ» : قَوْلُهُ: (حَتَّى إِذا جاءَهُ) يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ شَيْئًا وَقَوْلُهُ: (لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً) مُنَاقِضٌ لَهُ؟
قُلْنَا الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ:
الْأَوَّلُ: الْمُرَادُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا نَافِعًا كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ مَا عَمِلَ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ قَدِ اجْتَهَدَ.
الثَّانِي: حَتَّى إِذَا جَاءَهُ أَيْ جَاءَ مَوْضِعَ السَّرَابِ لَمْ يَجِدِ السَّرَابَ شَيْئًا فَاكْتَفَى بِذِكْرِ السَّرَابِ عَنْ ذِكْرِ مَوْضِعِهِ.
الثَّالِثُ: الْكِنَايَةُ لِلسَّرَابِ لِأَنَّ السَّرَابَ يُرَى مِنْ بَعِيدٍ بِسَبَبِ الْكَثَافَةِ كَأَنَّهُ ضَبَابٌ وَهَبَاءٌ وَإِذَا قَرُبَ مِنْهُ رَقَّ وَانْتَثَرَ وَصَارَ كَالْهَوَاءِ.
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ(41)