وَرَابِعُهَا: صَيْرُورَتُهَا بِحَالِ تَعَلُّقِ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ بِقَدْحِهَا وَمَدْحِهَا فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى لَمَّا نَصَّ عَلَى كَوْنِ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ إِفْكًا وَبَالَغَ فِي شَرْحِهِ فَكُلُّ مَنْ يَشُكُّ فِيهِ كَانَ كَافِرًا قَطْعًا وَهَذِهِ دَرَجَةٌ عَالِيَةٌ.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ) خِطَابٌ مَعَ الْقَاذِفِينَ وَجَعَلَهُ اللَّه تَعَالَى خَيْرًا لَهُمْ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ صَارَ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ مَانِعًا لَهُمْ مِنَ الِاسْتِمْرَارِ عَلَيْهِ فَصَارَ مَقْطَعَةً لَهُمْ عَنْ إِدَامَةِ هَذَا الْإِفْكِ.
وَثَانِيهَا: صَارَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ حَيْثُ كَانَ هَذَا الذِّكْرُ عُقُوبَةً مُعَجَّلَةً كَالْكَفَّارَةِ
وَثَالِثُهَا: صَارَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ حَيْثُ تَابَ بَعْضُهُمْ عِنْدَهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ تَعَالَى خَاطَبَهُمْ بِالْكَافِ، وَلَمَّا وَصَفَ أَهْلَ الْإِفْكِ جَعَلَ الْخِطَابَ بِالْهَاءِ بِقوله تَعَالَى: (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ) وَمَعْلُومٌ أَنَّ نَفْسَ مَا اكْتَسَبُوهُ لَا يَكُونُ عُقُوبَةً، فَالْمُرَادُ لَهُمْ جَزَاءُ مَا اكْتَسَبُوهُ مِنَ الْعِقَابِ فِي الْآخِرَةِ وَالْمَذَمَّةِ فِي الدُّنْيَا، وَالْمَعْنَى أَنَّ قَدْرَ الْعِقَابِ يَكُونُ مِثْلَ قَدْرِ الْخَوْضِ.
(لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ(12)
وَهَاهُنَا سُؤَالَاتٌ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: هَلَّا قِيلَ: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَنْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ خَيْرًا وَقُلْتُمْ فَلِمَ عَدَلَ عَنِ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ وَعَنِ الْمُضْمَرِ إِلَى الظَّاهِرِ؟