بل رحمة منه وإحساناً ومحبة له، وهو سبحانه لم يخلق خلقه ليتكثر بهم من قلة، ولا ليعتز بهم من ذلة، ولا ينفعوه أو يدفعوا عنه أو يرزقوه: كما قال سبحانه: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) } [لذاريات: 56 - 58] .
وماذا يملك العبد الفقير حتى يعطي؟ .. وماذا يعلم من الخلق حتى يواسي غيره؟ .. وماذا يملك من العمر حتى يبقى؟.
إن العبد المخلوق لا يعلم مصلحتك حتى يعرفه الله تعالى إياها، ولا يقدر على تحصيلها لك حتى يقدره الله تعالى عليها، ولا يريد ذلك حتى يخلق الله فيه إرادة ومشيئة لذلك.
فعاد الأمر كله لمن ابتدأ منه، فهو الذي بيده الخير كله، واليه يرجع الأمر كله، فتعلق القلب بغيره ضرر محض لا منفعة فيه، وما يحصل بذلك من المنفعة فهو سبحانه الذي قدرها ويسرها وأوصلها إليك، وغالب الخلق إنما يريدون قضاء حوائجهم منك، وإن أضر ذلك بدينك ودنياك، فهم إنما يريدون قضاء
حوائجهم ولو بمضرتك.
والرَّب تبارك وتعالى إنما يريد لك المصلحة، ويريد الإحسان إليك لك لا لمنفعته، ويريد دفع الضرر عنك، فكيف تعلق أملك ورجاءك وخوفك بغيره؟
والله سبحانه رفيع الدرجات، الذي تعالت ذاته أن يُتقرب إليه إلا بالعمل الصالح الزكي الطاهر، وهو الإخلاص الذي يرفع درجات أصحابه ويقربهم إليه، ويجعلهم فوق خلقه.
والوحي للأرواح والقلوب، بمنزلة الأرواح للأجساد، فكما أن الجسد بلا روح لا يحيا ولا يعيش، فكذلك الروح والقلب بدون روح الوحي لا يصلح ولا يفلح: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (14) رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15) } [غافر: 14، 15] .
إن من لم يكن في قلبه نور الإيمان، يرى العزة بالأموال والأشياء، لا بالإيمان والأعمال، وبذلك يحرم من الأعمال الصالحة، ويتعلق قلبه بالفانية.