وبالإضافة إلى هذا فإنه ينطوي في فحوى الآية الأخيرة وروحها تقرير كون ما يفعله المسلمون حينما يمكّنهم الله في الأرض هو من الخصائص التي أهّلهم دين الله لها. وينطوي في هذا تقرير كون المسلمين الذين لا يفعلون ذلك حينما يمكّنهم الله في الأرض قد أخلّوا بتلك الخصائص، فخرجوا بذلك عن حدود ما رسمه الله للمسلمين المخلصين الصادقين وجعله من خصائصهم، وفي هذا ما فيه من روعة وجلال.
[سورة الحج (22) : الآيات 42 إلى 46]
(وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ(42)
(1) خاوية: ساقطة أو خارّة.
(2) عروشها: قال الزمخشري في الكشاف كل مرتفع أظلّك من سقف بيت أو خيمة أو ظلة فهو عرش. وجملة خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها بمعنى خرّت سقوفها على الأرض.
(3) معطلة: متروكة لا يرد الورّاد إليها.
(4) مشيد: قيل إن الكلمة بمعنى المنيف العالي، وقيل إنها بمعنى المزين بالجص الأبيض وقيل إنها بمعنى الجفصين.
في هذه الآيات:
1 -خطاب للنبي صلّى الله عليه وسلّم: فإذا كان الكفار يقفون منه موقف التكذيب والجحود فقد كذّب قبلهم أمثالهم من أقوام نوح وعاد وثمود وإبراهيم ولوط ومدين أنبياءهم كما كذّب موسى. فأمهل الله الكافرين قليلا ثم أخذهم وكان نكاله فيهم شديدا خالد الأثر.
2 -تذكير ينطوي على الزجر: فلكم أهلك الله من أهل القرى الظالمة خلقا فخرّت قراهم على عروشها وتدمّرت. ولكم تعطل نتيجة لذلك آبار كانت عامرة بورّادها. وخلت قصور مزينة شاهقة كان أهلها يرفلون فيها بالهناء.
3 -وتساؤل يتضمّن الإنكار والتنديد عمّا إذا كان الكفّار الذين يكذّبون النبيّ لم يسيروا في الأرض ويروا آثار نكال الله وتدميره في منازل الظالمين السابقين أمثالهم ويسمعوا أخبارها فيتعظوا ويعتبروا. والإنكار والتنديد ينطويان على تقرير بأن السامعين العرب كانوا يعرفون مساكن الأمم السابقة البائدة ورأوا فيها آثار التدمير. وكانوا يعلمون أنها آثار تدمير رباني.
4 -وبيان لسبب عدم اعتبارهم واتّعاظهم يتضمن التقريع والتعقيب: فإن قلوبهم هي المتعامية عن الحقيقة المنصرفة عن الحق. ومن كان قلبه كذلك فلا يجدي إبصاره ورؤيته شيئا.