{وَكَأَيِّنْ مَنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا}
أي: أمهلتها: {وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ} إلى حكمي مرجع الكل فأجزيهم بأعمالهم . فتأثُر هذه الآية ما قبلها صريح في بيان خطئهم في الاستعجال المذكور ، ببيان كمال سعة حلمه تعالى ، وإظهار غاية ضيق عطنهم ، المستتبع لكون المدة القصيرة عنه تعالى ، مُدداً طوالاً عندهم ، حسبما ينطق به قوله تعالى: {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً} [المعارج: 6 - 7] ، ولذلك يرون مجيئه بعيداً ، ويتخذونه ذريعة إلى إنكاره ، ويجترؤون على الاستعجال به ، ولا يدرون أن معيار تقدير الأمور كلها ، وقوعاً وإخباراً ، ما عنده تعالى من المقدار . أفاده ابن كثير وأبو السعود .
وفي"العناية": لما ذكر استعجالهم ، وبيّن أنه لا يتخلف ما استعجلوه ، وإنما أخر حلماً ، لأن اليوم ألف سنة عنده . فما استطالوه ليس بطويل بالنسبة إليه ، بل هو أقصر من يوم . فلا يقال: إن المناسب حينئذ أن ألف سنة كيوم ، والقلب لا وجه له .
وقال الرازي: لما حكى تعالى من عظم ما هم عليه من التكذيب ، أنهم يستهزؤون باستعجال العذاب ، بيّن أن العاقل لا ينبغي أن يستعجل عذاب الآخرة فقال: {وإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ} يعني فيما ينالهم من العذاب وشدته: {كَأَلْفِ سَنَةٍ} لو عُدّ في كثرة الآلام وشدتها . فبيّن سبحانه أنهم لو عرفوا حال عذاب الآخرة ، وأنه بهذا الوصف لما استعجلوه .
قال الرازي: وهذا قول أبي مسلم ، وهو أولى الوجوه . انتهى .
وقد حكاه الزمخشريّ بقوله: وقيل معناه: كيف يستعجلون بعذاب مَنْ يَومٌ واحد من أيام عذابه ، في طول ألف سنة من سنيكم . لأن أيام الشدائد مستطالة ، أي: تعدّ طويلة كما قيل:
تمتعْ بأيام السرورِ فَإِنَّهَا قِصَارٌ . وَأيامُ الهُمُومِ طِوَالُ
أو كان ذلك اليوم الواحد ، لشدة عذابه ، كألف سنة من سني العذاب . انتهى .