أَلَمْ تَرَ أي ألم تعلم علما يقوم مقام العيان أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ يخبر تعالى أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فإنه يسجد لعظمته كل شيء طوعا وكرها، وسجود كل شيء مما يختص به، وهل هو سجود حقيقي فيكون لكل سجوده الخاص وإن كنا لا نقف عليه، أو أن في ذلك كناية عن مطاوعة غير المكلف له فيما يحدث فيه من أفعاله وتسخيره له، فهذا سجوده له تشبيها لمطاوعته بسجود المكلف الذي كل خضوع دونه؟ اتجاهان في التفسير ذكرهما النسفي وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أي ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة وعبادة وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ أي وكثير منهم حق عليه العذاب بكفره وإبائه السجود الاختيارى وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ أي ومن يهنه الله بالشقاوة فما له من مكرم بالسعادة إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ من الإكرام والإهانة وغير ذلك.
كلمة في السياق:
يأتي هذا الخطاب الذي يقرر خضوع خلق الله جميعا لله في سياق الإنكار على من ييأس من نصر الله، وفي سياق الإنكار على من يعبد الله على حرف؛ ليبين أن الأمر أمره، والملك ملكه، وكل شيء خاضع له، وأن من يفر من عبادته أمامه ما أمامه، وأن الذي ييأس من نصره لا يعرف حقيقة الأمر من كون كل شيء خاضعا له خضوع
اختيار، أو اضطرار وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وأما صلتها في السياق العام من محور السورة فإن محور السورة يأمر بالعبادة كطريق للتقوى، وتأتي هذه الآية لتقرر أن السجود الذي هو أرقى درجات العبادة هو سمة الكون كله بما فيه ومن فيه، وأن الذين لا يسجدون من البشر معذبون، وأن الذين يسجدون منسجمون مع سجود الخلق كلهم، وبعد هذه الآية التي مرت معنا فإن المجموعة تعرض لنا مشهدا من مشاهد يوم القيامة، تذكر لنا فيه كيف ينصر الله أولياءه في الآخرة ويخذل أعداءه.