و (زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ) من إضافة المصدر إلى ظرفه، أي الزلزلة التي تكون في يوم الساعة، وهو يوم القيامة، وعبر عن ذلك اليوم بالساعة؛ لأنه يكون ساعة شديدة خطيرة، لها ما بعدها من هول أعظم، وحساب وعقاب، وقد عبر اللَّه سبحانه عن هذه الزلزلة بقوله: (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) ، أي أنها شديدة شدة لَا يُكتنه كنهها، ولا يعبر عنها إلا بأنها (شَيْءٌ عَظِيمٌ) ، فالشيء اسم لكل شديد، أي أن الألفاظ تضيق عن معانيها، فلا يتسع لها لفظ إلا ما يكون لفظا عاما غير محدودة، لأن شدتها غير محدودة، ولا يحدها نطاق.
وقد صور اللَّه تعالى هول هذه الزلزلة، فقال عز من قائل:
(يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ(2)
صور اللَّه تعالى الفزع الذي ينال الناس عند رؤية هذه الزلزلة فقال: (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ) ، تذهل أي تنسى وتغفل، والذهول شغل يورث حزنا ونسيانا، وقوله تعالى: (عَمَّا أَرْضَعَتْ) ،"ما"إما أن تكون بمعنى"الذي"، ويكون المعنى تذهل ناسية طفلها الذي أرضعته، وغذته من لبنها الذي هو قطعة منها، وكأنها في هذا الحزن الداهم تنسى نفسها أو قطعة من ذاتها، ويصحح أن تكون"ما"مصدرية، والمعنى أنها تنسى إرضاعها فتنسى تغذيه من هو كشخصها، أو امتداد
لشخصها، ويزكي هذا التخريج التعبير بالماضي، وكلا التخريجين يفيد أنها في حال هذا الفزع تنسى وتذهل عما لَا يمكن أن يُنسى أو يذهل عنه.
وإنه من هول هذا الموقف، وتلك الزلزلة (وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا)