وقال الكسائي: (بَخَعْتُ الأرض بالزراعة، إذا أنهكتها وتابعت حراثتها، ولم تجمَّها عامًا، وبَخَعَ الوجدُ نفسه إذا أنهكها، وأنشد بيت ذي الرمة) . وعلى هذا معنى: {بَاخِعٌ نَفْسَكَ} أي: ناهكها، وجاهدها حتى تهلكها، ولكن أهل التأويل كلهم قالوا: قاتل نفسك ومهلكها؛ والأصل هو ما ذكرنا.
وقوله تعالى: {عَلَى آثَارِهِمْ} قال الزجاج: (أي من بعدهم) . وهذا كلام العرب يقولون: مات فلان واحدًا على أثر فلان، أي: بعده، وأصل هذا من التأثير، والأثر الذي هو العلامة، وذلك أنهم يقولون: خرجت في أثر فلان، وجئت على أثره، يعنون بعده، كأنهم يريدون أثر سلوكه الطريق، ثم كثر هذا حتى استعمل بمعنى بعد حيث لا يتحقق الأثر، كقول: مات فلان على أثر فلان أي: بعده، وأثر كذا بكذا أتبعه إياه، ومنه قول متمم:
فأثر سيل الواديين بديمةٍ
أي: أتبعه بمطر.
ومعنى {عَلَى آثَارِهِمْ} هاهنا: من بعدهم، وتحقيقه ما بينَّا، وليس يريد من بعد موتهم، وإنما التأويل: من بعد توليهم وإعراضهم عنك.
قوله تعالى: {إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ} قال ابن عباس وغيره: (يعني القرآن) .
{أَسَفًا} قال مجاهد: (جزعاً) .
وقال السدي: (حزنًا) . وقال سفيان: (غضبًا) .
وجمع ابن عباس بينهما فقال: (يريد: غضبًا وحزنًا) . وقال الزجاج: (والأسف: المبالغة في الحزن والغصب) . وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: (غضبان أسفًا) في سورة الأعراف. وانتصابه يجوز أن يكون على المصدر، ودل ما قبله من الكلام على أنه تأسف، ويجوز أن يكون مفعولاً له أي: للأسف، كقولهم: جئتك ابتغاء الخير.
وقال الزجاج: ( {أَسَفًا} منصوب؛ لأنه مصدر في موضع الحال) . وفي هذه الآية إشارة إلى نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كثرة الحرص على إيمان قومه حتى يؤدي ذلك إلى هلاك نفسه بالأسف، والفاء في قوله: {فَلَعَلَّكَ} جواب الشرط، وهو قوله: {إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا} قدّم عليه، ومعناه التأخير.