أو: يكون المراد أَنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ ، ثم نزَّله بعد ذلك مُنَجَّماً حَسْب الوقائع ، فالمراد هنا الإنزال لا التنزيل .
وقوله تعالى: {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} [الكهف: 1] أي: جعله مستقيماً ، لا عِوجَ فيه ، كما قال في آية أخرى: {قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ . .} [الزمر: 28] والاعوجاج ، أن يأخذ الشيءُ امتداداً مُنْحنياً ملتوياً ، أما الاستقامة فهي الامتداد في نفس الاتجاه ، لا يميل يميناً أو شمالاً ، ومعلوم أن الخطَّ المستقيم يمثل أقرب مسافة بين نقطتين ، ولا تستقيم حياة الناس في الدنيا إلا إذا ساروا جميعاً على منهج مستقيم يعصمهم من التصادم في حركة الحياة .
فالحق سبحانه وتعالى خلق الخَلْق متكاملين ، فكُلٌّ منهم لديه موهبة يحتاجها الآخرين ، فهذا طبيب ، وهذا مهندس ، وهذا نجار ، وهذا خياط ، ولا يستطيع أحد أن يقومَ بذاته أو يستغني عن مواهب غيره ، فلا بُدَّ أن يتواجه الناس في الحياة ، وأنْ يتكاملوا .
هذا التواجه إنْ لم يُنظِّم وتوضع له قوانين مرور دقيقة لتصادمت حركات الناس ، كما يحدث على الطريق الملتوي كثير المنحنيات ، فالقادم من هنا لا يرى القادم من هناك ، فيحدث التصادم . إذن: لا بُدَّ من استقامة الطريق ليرى كلٌّ مِنّا الآخر ، فلا يصطدم به . والمنهج الإلهي هو الطريق المستقيم الذي يضمن الحركة في الحياة .
وقد ذُكر الاعوجاج أيضاً في قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً * لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً ولا أَمْتاً} [طه: 105 - 107]
أي: أرضاً مستوية خالية من أي شيء {لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً} [طه: 107] أي: مستقيمة {ولا أَمْتاً} [طه: 107] .
أي: مُسْتوية لا يُوجد بها مرتفعات ومنخفضات تعوق الرؤية أيضاً وتسبب التصادم ، وهذا ما يُسمِّيه رجال المرور (العقبة) .