فتعليم القرآن جاء قبل خَلْق الإنسان ، إذن: وضع الحق سبحانه لعباده المنهج المنظِّم لحياتهم قبل أن يخلقَهم ، لعِلْمه سبحانه بطبيعة خَلْقه ، وبما يصلحهم ، كالمخترع للآلة الذي يعلم مهمتها ويُحدد قانون صيانتها ، فالكتاب الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو المهمة الأساسية ، فيجب أنْ تُوطّن عليها نفسك ، وتعلَم أنه المنظِّم لحياتك ، وبه قانون صيانتك .
وقوله: {على عَبْدِهِ . .} [الكهف: 1] كما قلنا: في سورة الإسراء: إن العبودية كانت حيثية الرِّفْعة في الإسراء والمعراج ، فقال سبحانه: {سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ . .} [الإسراء: 1]
فالعبودية رفعتْه إلى حضرته تعالى ؛ لأنه كان عبداً بحقّ ، وهذا يعني إنزال الكتاب عليه ، فكان عبداً بحق قبل أن يُسرَى به ، وحمل منهج الله أولاً فالتفتَ لربه لَفْتةً أراد أنْ يلفتَ بها سواه ، فأخلص هو أولاً في العبودية ، وتحمَّل ما تحمّل ، فكان من جزائه أن يرتفع إلى مقام الحضرة فَعُرِج به ، وهناك أعطاه الله الصلاة لينزلَ بها إلى الخَلْق ليرفع بها صوته إلى المقام الذي سعى إليه بالمعراج .
إذن: فالنبي تناول ليناوِل ، وتناول لأنه أخلصَ العبودية ، فصعد إلى حضرة ربه ، وأخذ فريضة الصلاة وبلَّغها لقومه ، وكأنه يقول لهم: مَنْ أراد أن يلتقي بالله ، فليدخل في الصلاة .
و {الكتاب . .} [الكهف: 1] هو القرآن الكريم ، لكن سورة الكهف ترتيبها الثامنة عشرة بين سور المصحف من المائة والأربعة عشرة سورة ، أي: أن القرآن لم يكتمل بعد ، فلماذا قال تعالى {الكتاب} وهو لم يكتمل بعد؟
نقول: الكتاب يُطلَق ويُرَادُ به بعضه ، كما في قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ} [القيامة: 18]
فالآية الواحدة تُسمَّى قرآناً ، والسورة تُسمَّى قرآناً ، والكل نُسمِّيه قرآناً .