والجمع بين قوله: ولم يجعل له عوجاً وقوله: {قيماً} كالجمع بين {لا ريب فيه} [البقرة: 2] وبين {هدى للمتقين} [البقرة: 2] وليس هو تأكيداً لنفي العوج.
لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ
{لينذر} متعلق بـ {أنزل} .
والضمير المرفوع عائد إلى اسم الجلالة ، أي لينذر الله بأساً شديداً من لدنه ، والمفعول الأول ل {ينذر} محذوف لقصد التعميم ، أو تنزيلاً للفعل منزلة اللازم لأن المقصود المنذَر به وهو البَأس الشديد تهويلاً له ولتهديد المشركين المنكرين إنزال القرآن من الله.
والبأس: الشدة في الألم.
ويطلق على القوة في الحرب لأنها تؤلم العدو.
وقد تقدم في قوله تعالى: {والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس} من سورة البقرة (177) .
والمراد هنا: شدة الحال في الحياة الدنيا ، وذلك هو الذي أطلق على اسم البأس في القرآن ، وعليه درج الطبري.
وهذا إيماء بالتهديد للمشركين بما سيلقونه من القتل والأسر بأيدي المسلمين ، وذلك بأس من لدنه تعالى لأنه بتقديره وبأمره عباده أن يفعلوه ، فاستعمال (لدن) هنا في معنييه الحقيقي والمجازي.
وليس في جعل الإنذار ببأس الدنيا علّةً لإنزال الكتاب ما يقتضي اقتصار عِلل إنزاله على ذلك ، لأن الفعل الواحد قد تكون له علل كثيرة يذكر بعضُها ويُترك بعض.
وإنما آثَرْتُ الحمل على جعل اليأس الشديد بأسَ الدنيا للنقصي مما يرد على إعادة فعل {وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا} [الكهف: 4] كما سيأتي.
ويجوز أن يراد بالبأس عذابُ الآخرة فإنه بأس شديد ، ويكون قوله: من لدنه مستعملاً في حقيقته.
وبهذا الوجه فسر جمهور المفسرين.