وَأَقُولُ قَدْ بَيَّنَّا مَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ هَذَا الْكَلَامِ لِأَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ قَوْلَهُ: (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا) يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ كَامِلًا فِي ذَاتِهِ، وَقَوْلَهُ: (قَيِّمًا) يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ وَكَوْنُهُ كَامِلًا فِي ذَاتِهِ مُتَقَدِّمٌ بِالطَّبْعِ عَلَى كَوْنِهِ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ فَثَبَتَ بِالْبُرْهَانِ الْعَقْلِيِّ أَنَّ التَّرْتِيبَ الصَّحِيحَ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا) فَظَهَرَ أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فَاسِدٌ يَمْتَنِعُ الْعَقْلُ مِنَ الذَّهَابِ إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ)
«فَإِنْ قِيلَ» : اتِّخَاذُ اللَّهِ وَلَدًا مُحَالٌ فِي نَفْسِهِ فَكَيْفَ قِيلَ (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ) ؟
قُلْنَا: انْتِفَاءُ الْعِلْمِ بِالشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ لِلْجَهْلِ بِالطَّرِيقِ الْمُوَصِّلِ إِلَيْهِ، وَقَدْ يَكُونُ لِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ مُحَالٌ لَا يُمْكِنُ تَعَلُّقُ الْعِلْمِ بِهِ.
وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ لَا بُرْهانَ لَهُ بِهِ) [الْمُؤْمِنُونَ: 117] .
(وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا(18)
قَالَ الْوَاحِدِيُّ: وَإِنَّمَا يُحْسَبُونَ أَيْقاظًا لِأَنَّ أَعْيُنَهُمْ مُفَتَّحَةٌ وَهُمْ نِيَامٌ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ لِكَثْرَةِ تَقَلُّبِهِمْ يُظَنُّ أَنَّهُمْ أَيْقَاظٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ)
وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ مُدَّةِ التَّقْلِيبِ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ لَهُمْ فِي كُلِّ عَامٍ تَقْلِيبَتَيْنِ
وَعَنْ مُجَاهِدٍ يَمْكُثُونَ عَلَى أَيْمَانِهِمْ تِسْعَ سِنِينَ ثُمَّ يُقْلَبُونَ عَلَى شَمَائِلِهِمْ فَيَمْكُثُونَ رُقُودًا تِسْعَ سِنِينَ
وَقِيلَ لَهُمْ تَقْلِيبَةٌ وَاحِدَةٌ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ.