وَأَقُولُ هَذِهِ التَّقْدِيرَاتُ لَا سَبِيلَ لِلْعَقْلِ إِلَيْهَا، وَلَفْظُ الْقُرْآنِ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَمَا جَاءَ فِيهِ خَبَرٌ صَحِيحٌ فَكَيْفَ يُعْرَفُ؟
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَائِدَةُ تَقْلِيبِهِمْ لِئَلَّا تَأْكُلَ الْأَرْضُ لُحُومَهُمْ وَلَا تُبْلِيَهُمْ.
وَأَقُولُ هَذَا عَجِيبٌ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَدَرَ عَلَى أَنْ يُمْسِكَ حَيَاتَهُمْ مُدَّةَ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ وَأَكْثَرَ فَلِمَ لَا يَقْدِرُ عَلَى حِفْظِ أَجْسَادِهِمْ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ تَقْلِيبٍ؟
(وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ ...(19)
«فَإِنْ قِيلَ» : هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْغَرَضُ مِنْ بَعْثِهِمْ أَنْ يَتَسَاءَلُوا وَيَتَنَازَعُوا؟
قُلْنَا: لَا يَبْعُدُ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ إِذَا تَسَاءَلُوا انْكَشَفَ لَهُمْ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى أُمُورٌ عَجِيبَةٌ وَأَحْوَالٌ غَرِيبَةٌ، وَذَلِكَ الِانْكِشَافُ أَمْرٌ مَطْلُوبٌ لِذَاتِهِ.
(إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا(20)
«فَإِنْ قِيلَ» : أَلَيْسَ أَنَّهُمْ لَوْ أُكْرِهُوا عَلَى الْكُفْرِ حَتَّى إِنَّهُمْ أَظْهَرُوا الْكُفْرَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ مَضَرَّةٌ فَكَيْفَ قَالُوا: (وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا) ؟
قُلْنَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ لَوْ رَدُّوا هَؤُلَاءِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْكُفْرِ عَلَى سَبِيلِ الْإِكْرَاهِ بَقُوا مُظْهِرِينَ لِذَلِكَ الْكُفْرِ مُدَّةً فَإِنَّهُ يَمِيلُ قَلْبُهُمْ إِلَى ذَلِكَ الْكُفْرِ وَيَصِيرُونَ كَافِرِينَ فِي الْحَقِيقَةِ، فَهَذَا الِاحْتِمَالُ قَائِمٌ فَكَانَ خَوْفُهُمْ منه، والله أعلم.
(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا ...(28)