أَنَّ الْإِنْسَانَ كَأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ عَالَمِ الْغَيْبِ مُتَوَجِّهًا إِلَى عَالَمِ الْآخِرَةِ وَإِلَى حَضْرَةِ جَلَالِ اللَّهِ وَهَذِهِ الدُّنْيَا كَأَنَّهَا رِبَاطٌ بُنِيَ عَلَى طَرِيقِ عَالَمِ الْقِيَامَةِ حَتَّى أَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا نَزَلَ فِيهِ اشْتَغَلَ بِالْمُهِمَّاتِ الَّتِي يَجِبُ رِعَايَتُهَا فِي هَذَا السَّفَرِ ثُمَّ يَرْتَحِلُ مِنْهُ مُتَوَجِّهًا إِلَى عَالَمِ الْآخِرَةِ فَكُلُّ مَا دَعَاهُ فِي الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَةِ وَمِنَ الْجُسْمَانِيَّاتِ إِلَى الرُّوحَانِيَّاتِ وَمِنَ الْخَلْقِ إِلَى الْحَقِّ وَمِنَ اللَّذَّاتِ الشَّهْوَانِيَّةِ الْجَسَدَانِيَّةِ إِلَى الِاسْتِنَارَةِ بِالْأَنْوَارِ الصَّمَدَانِيَّةِ فَثَبَتَ أَنَّهُ مُبَرَّأٌ عَنِ الْعِوَجِ وَالِانْحِرَافِ وَالْبَاطِلِ فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا.
الصِّفَةُ الثَّانِيَةُ: لِلْكِتَابِ وَهِيَ قَوْلُهُ: (قَيِّمًا) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُرِيدُ مُسْتَقِيمًا وَهَذَا عِنْدِي مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِنَفْيِ الِاعْوِجَاجِ إِلَّا حُصُولُ الِاسْتِقَامَةِ فَتَفْسِيرُ الْقَيِّمِ بِالْمُسْتَقِيمِ يُوجِبُ التَّكْرَارَ وَأَنَّهُ بَاطِلٌ، بَلِ الْحَقُّ مَا ذَكَرْنَاهُ وَأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ كَوْنِهِ: قَيِّمًا أَنَّهُ سَبَبٌ لِهِدَايَةِ الْخَلْقِ وَأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى مَنْ يَكُونُ قَيِّمًا لِلْأَطْفَالِ، فَالْأَرْوَاحُ الْبَشَرِيَّةُ كَالْأَطْفَالِ، وَالْقُرْآنُ كَالْقَيِّمِ الشَّفِيقِ الْقَائِمِ بِمَصَالِحِهِمْ.
الْبَحْثُ الثَّالِثُ: قَالَ الْوَاحِدِيُّ جَمِيعُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالتَّفْسِيرِ قَالُوا هَذَا مِنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَالتَّقْدِيرُ: أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ قَيِّمًا وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا.