{فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (46) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (47) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (50) وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ}
لقد بدأ إذن جدل المشركين فِي المعجزة من أول المبعث ، ولم يكن قد نزل من القرآن غير الآيات الأولى من سورة العلق. ومجيء الحرف (ن) فِي سورة القلم المكية المبكرة ، فيه لفت واضح إلى سر الحرف فِي البيان المعجز: فمن حيث يجادل المشركون فِي القرآن ويحملونه على أساطير الأولين ، يبدأ الاحتجاج للقرآن بأن يعرضوه على ما عرفوا منها ، وإن كلماته لمن الحروف التي عرفوها.
ونربط هذا الاحتجاج للمعجزة فِي سورة {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} بما نزل
قبلها مباشرة فِي مستهل الوحي ، وقد كانت كلمته الأولى:"اقرأ"وفيها لفت إلى آية الله الكبرى فِي الإنسان ، خلقه الله من علق ، وعلم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم. فكأن نزول سورة القلم بعدها مبتدأه بحرف (ن) يلفت إلى سر الحرف الذي هو مناط القراءة والعلم والبيان ، تنطق به فِي حروف التهجي ، منفرداً منقطعاً فلا يعطي أي معنى أو دلالة ، وما يخرج عن مجرد صوت.
ثم يأخذ الحرف موضعه من الكلمة فيتجلى سره الأكبر.