وقال بعضُهم: المرادُ ما يتقربُ بهِ الإنسانُ إلى الله - تعالى - ، فأخبر اللهُ - سبحانَهُ - أنَّ من قَصَدَ ذلكَ ينبغي أَنْ يبرَّ بذلكَ المذكور، فلا نَسْخَ في الآية.
(من أحكام الجهاد)
24 - (24) قولُه - جَلَّ جَلالُهُ -: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} البقر ة: 216].
أقولُ: لمَّا أرادَ اللهُ - سبحانَهُ - إنقاذَ عبادِهِ من الهَلَكَةِ، وهُداهُم من الضَّلال، بعث نبيَّهُ مُحَمَّداً - صلى الله عليه وسلم - إلى قومه خاصَّةً، وإلى الناسِ عامَّةً بشيراً ونذيراً.
فقال - عَزَّ وجَلَّ -: {وَأَنذِرْ عَشِيَرتَكَ الأَقرَبِينَ} [الشعراء: 214] .
وقال - عزَّ وجلَّ -: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} [الشورى: 7] ، فقال:"يابني عبدِ مَناف! إن الله بعثني أن أنذرَ عَشيرتي الأَقْرَبينَ، وأنتم عَشيرتي الأقربون".
وقال - عزَّ وجَلَّ -: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158] .
فلما صَدُّوا عنه، وأَعْرَضوا، أَمَرَهُ اللهُ - سبحانَهُ - بالصَّدِّ عنهم، والإعراض كما أعرضوا.
فقال - جَلَّ جلالُهُ -: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا} [النجم: 29] .
وقال - جَل جلالُه -: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [الأنعام: 68] .
ولما هدى اللهُ - سبحانَهُ - قوماً من عبادِه، واختارَهُم لدينه، واصطفاهُم لنفسِه، فآمنوا به، واتبعوا النورَ الذي أُنزلَ معه، فتنتهم قريشٌ، وصدُّوهم عن دينِ اللهِ - سُبْحانه - ، وعذَّبوهم، وظلموهم، ليرجعوا عن دينِ الله - سُبحانه - حَتَّى كَثُرَ تأذِّي رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين، فحينئذٍ أَذِنَ اللهُ - تَعالى - لهم في الهجرة، ولَمْ يوجبْها، فقال - جَل جلالُه -: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} [النساء: 100] ، فهاجر إلى أرضِ الحبشةِ قومٌ، وبقيَ قومٌ فيهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فهاجروا إلى المدينةِ الشريفة - شَرَّفَها اللهُ الكريم - .