وقال مالكٌ: إن كانَ للمَكِّيِّ عُذْر، فَلَهُ أن يتعجَّل، وإن كانَ يريدُ التّخفيف عن نفسِه، فليس له.
وهو غيرُ سديدٍ؛ لأن الله - سبحانه - صَرحَ برفعِ الإثم، ولا يكونُ الإثمُ إلا عندَ عدمِ العُذْرِ، وأَمّا مع العُذْرِ، فلا إثمَ.
ولأنَّ اللهَ - سبحانَهُ - أبطل بهذا ما كانتْ عليهِ العربُ من الاخْتلافِ في الدم للتعجيلِ، والدَّمِ للتأخيرِ، فَسَوّى اللهُ سبحانَهُ بين القِسمين، ولا فرقَ في هذا بينَ المَكِّيّ وغيره.
* وبيَّنَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - شَرْعَهُ، فَبيَّنَ صِفَةَ الرَّمْيِ وكيفيتَه، ووقتَه، وأن المَبيتَ في مِنًى مشروع، ورخصَ في تركِهِ لأهلِ السِّقايةِ.
* وقد أجمعَ المسلمونَ على مشروعيةِ الرمْي والمبيتِ.
* واتفقوا على وجوب الرمْي.
* واختلفوا في وجوبِ المبيت:
-فقال ابنُ عباسٍ والحسنُ وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ في أحدِ قوليه: هو سُنَّةٌ لا يَجِبُ بتركِهِ الدَّمُ.
-والصحيحُ من قوليه أنه واجِبٌ، وبه قالَ مالكٌ وأحمدُ.
لما روى ابنُ عمرَ - رضي اللهُ تَعالى عنهما - أن العباسَ - رضي الله تعالى عنه - استأذَنَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ليبيتَ بمَكَّةَ لياليَ مِنًى منْ أَجْلِ سقايته، فأذنَ لهُ، ولا يستأذنه إلَّا في واجب، ولَأنَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بات بها.
* ولا يجوز التعجيلُ لمن أراده حتى يرميَ في اليوم الثاني؛ لقوله تعالى: {لِمَنِ اَتَّقَى} [البقرة: 203] والرمْيُ من عملِ التقوى، وكذا من تأخرَ إلى اليومِ الثالثِ لا يجوزُ له السفرُ حتى يرمي رميه؛ لقوله سبحانه: {لِمَنِ اَتَّقَى} [البقرة: 203] ، والله أعلم.
(من أحكام النفقة)
23 - (23) قولُه جَلَّ ثناؤهُ: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة: 215] .
نزلتْ في عمرِو بنِ الجَموحِ، وكان شيخا كبيراً، وعنده مالٌ عظيمٌ، فسأل النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ماذا ننفقُ من أموالِنا؟ وأين نضعها؟ فنزلت هذه الآية.
قال كثيرٌ من أهل التفسير: هذا كانَ قبلَ أن تُفْرَضَ الزَّكاةُ، فلما فُرضتِ الزكاة بالآيةِ التي في (براءة) ، نُسِخَتْ هذه الآية.