وهذا الحديث، وإن انفرد بروايته هذا الصحابيُّ من بين الصحابةِ، فهو متَّفَقٌ عليهِ.
وهذه الآيةُ أصرحُ وأبيَنُ في الدلالةِ على الوجوبِ من التي قبلَها؛ فإنَّ اللهَ - سبحانه - أمرَنا بالإفاضَةِ منْ حيثُ أفاضَ الناسُ، فأوجبَ الحصولَ في مكان ابتداءِ الإفاضَةِ الذي يفيضُ منهُ الناسُ، وهو عَرَفاتُ.
وكانَ الناسُ، وهم العربُ ما خلا قُرَيْشاً، تتجاوزُ المزدلفة، وتَقِفُ بعرفات، وتفُيض منها، وكانت الحُمْسُ، وهم قريشٌ، تقفُ عندَ المشعرِ الحَرام، وتفُيض منهُ، ولا تتجاوزُه؛ لأن المزدلفةَ من الحَرَمِ، وتَقولُ: نحن أهلُ حَرَمِ الله، فلا نَخْرُجُ منهُ، فأمر اللهُ نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - أن يُفيض من حيثُ أفاضِ الناسُ، وكانتْ قريش تظنُّ أن يقفَ بالمَشْعَرِ الحَرام على عادتهم، فتجاوَزهُ لأمرِ اللهِ سبحانه.
فإن قلتم: (ثُمَّ) كلمة موضوعة للترتيب في لسانِ العرب، وذَكرَ اللهُ - سبحانه - الإفاضة من حيثُ أفاضَ الناسُ بعدَ الذّكْرِ عندَ المشعرِ الحَرام، والذكْرُ عندَ المَشْعَرِ الحَرامِ لا يكونُ إلا بعدَ الإفاضة.
قلت: هي هُنا لترتيبِ الذّكْرِ، لا لِترتيبِ الحُكْمِ، فلم تخرج (ثم) عن موضوعها؛ لقوله تعالى: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [الزمر: 6] ، ولذلك نظائرُ في القرآنِ واللُّغَةِ يطولُ ذكرُها.
22 - (22) قوله جلَّ ثناؤه: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [البقرة: 203] .
* اتفق العلماءُ على أن الأيام المَعْدوداتِ ثلاثةُ أيامٍ بعدَ يوم النَّحْرِ، وتُسَمَّى أيامَ التَّشريقِ، وأيامَ مِنًى، وفيها تتمُّ مناسِكُ الحَجِّ، وأمرَ اللهُ - جَلَّ جلالُه - بذكرِه فيها لِشَرَفِها، وأجمع السَّلَف على شَرْعيَّةِ التكبيرِ فيها، وعلى شرعيَّةِ التقرُّبِ فيها بالدَّمِ للحاجِّ وغيره، قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"أيام التشريقِ أيامُ أَكْلٍ وشُرْب وذِكْرٍ للهِ - عَزَّ وجَلَّ -".
* وشرعَ اللهُ لنا فيها رَمْيَ الجِمارِ، ورَخَّصَ لنا في التعجُّلِ في يومين من غَيْرِ إِثْمٍ؛ رِفقاً منهُ بعباده، والظاهرُ أنه لم يَخُصَّ بهذهِ الرَّحْمَةِ ناساً دونَ ناسٍ، وبهذا قالَ جمهورُ أهلِ العلم.