وما كان المصطفى بقارئ ، ولا كان يتلو من كتاب من قبل القرآن ولا يخطه بيمينه. والمشركون بحيث لا يجهلون أنه ليس كأساطير الأولين التي يعرفون ويسطرون ، لكنهم جادلوا فيه عناداً واستكباراً أن يؤمنوا بنبوة بشر مثلهم. ومن ثم توالى الوحي ، بعد أن لفتهم إلى سر الحرف فِي آية القلم ، يبهرهم بآيات هذا القرآن لعلهم بما يجركون من إعجاز بيانه ، يكفون عن جدل فيه. فلما أصروا على عنادهم ، اتجه إلى صريح التحدي والمعاجزة ، إلزاماً لهم بالحجة.
وقيبل التحدي والمعاجزة ، فِي العهد المكي ، نزلت تسع سور مفتتحة بالحروف المقطعة. من هذه السور يبدو أن الدجل فِي المعجزة قد اشتد وأن المشركين أصروا على التكذيب بها وحملها إما على أساطير الأولين ، أو على قول شاعر أو كاهن أو ساحر. ويسجل القرآن دعاواهم ومزاعمهم ، متجهاً إلى دحضها والكشف عن زيفها وبطلانها ، بالاحتجاج للمعجزة ، وسوق العبرة بمن مضى من أمم كذبوا برسالات ربهم واتهموا رسله بالافتراء ، وبالسحر والجنون ، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر.
إيناساً للمصطفى عليه الصلاة والسلام فيما يحمل من أعباء رسالته وما يلقى من تكذيب قومه ، وتذكرةّ وعبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد..
وهذه هي آيات الجدل والاحتجاج فِي السور التسع التي نزلت مفتتحة بالحروف المقطعة ، قيبل مواجهة العرب المشركين بصريح التحدي والمعاجزة ، نوردها هنا على المشهور فِي ترتيب النزول:
34 ، سورة ق:
{ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ}
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} 37..
{نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} 45.
38 -سورة ص: