وقوله - تعالى -: إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً بدل من قوله - تعالى -: وَإِذْ هُمْ نَجْوى.
والمسحور. هو الذي سحر فاختلط عقله، وزالت عنه الهيئة السوية.
أي: ونحن أعلم بهؤلاء الأشقياء - أيضا - عند ما يقول بعضهم لبعض: لا تتبعوا محمدا صلى الله عليه وسلم فيما يدعو إليه، فإنكم إن اتبعتموه تكونون قد اتبعتم رجلا مسحورا، أصابه السحر فأخرجه عن وعيه وعقله.
وقال - سبحانه -: إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ بالإظهار دون الإضمار، لتسجيل الظلم عليهم فيما تفوهوا به، وأنهم سيستحقون عقوبة الظالم.
وقوله - تعالى -: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا تسلية عظيمة للرسول صلى الله عليه وسلم، وتثبيت له وللمؤمنين على الطريق الحق الذي هداهم الله - تعالى - إليه.
أي: انظر وتأمل - أيها الرسول الكريم - كيف أن هؤلاء المشركين. قد بلغ بهم الجحود والفجور، أنهم مثلوا لك الأمثال، فوصفوك تارة بأنك مسحور، وتارة بأنك شاعر.
وهم في وصفهم هذا، قد ضلوا عن الحق ضلالا بعيدا، وصاروا كالحيران الذي التبست عليه الطرق، فأمسى لا يعرف السبيل الذي يسلكه.
هذا، وقد ذكر الإمام ابن كثير رحمة الله - عند تفسيره لهذه الآيات، ما يدل على أن
المشركين كانوا يستمعون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم عند قراءته للقرآن.
فقال: قال محمد بن إسحاق في السيرة: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، أنه حدّث أن أبا سفيان بن حرب، وأبا جهل بن هشام، والأخنس بن شريق .. خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلى بالليل في بيته، فأخذ كل واحد منهم مجلسا يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا.
حتى إذا جمعتهم الطريق، تلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا، ثم انصرفوا.
حتى إذا كانت الليلة التالية، عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا. حتى إذا جمعتهم الطريق، قال بعضهم لبعض مثل ما قال أول مرة، ثم انصرفوا.