ومع وجاهة الرأيين، إلا أن الرأي الأول أظهر، لأن في الآية فرض المحال، وهو وجود الآلهة مع الله - تعالى - ، وافتراض وجودها المحال لا يظهر منه أنها تتقرب إليه - سبحانه - ، بل الذي يظهر منه أنها تنازعه لو كانت موجودة، ولأن هذا الرأي يناسبه - أيضا - قوله - تعالى - بعد ذلك: سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً.
أي: تنزه الله - تعالى - عما يقوله المشركون في شأنه وتباعد، وعلا علوا كبيرا، فإنه - جل شأنه - لا ولد له، فلا شريك له ...
قال - تعالى -: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ.
والتعبير بقوله - سبحانه -: إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا يشير إلى الارتفاع والتسامى على تلك الآلهة المزعومة، وأنها دون عرشه - تعالى - وتحته، وليست معه ..
ثم بين - سبحانه - أن جميع الكائنات تسبح بحمده فقال - تعالى -: تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ، وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ.
والتسبيح: مأخوذ من السبح، وهو المر السريع في الماء أو في الهواء، فالمسبح مسرع في تنزيه الله وتبرئته من السوء، ومن كل ما لا يليق به - سبحانه - .
أي تنزه الله - تعالى - وتمجده السماوات السبع، والأرض، ومن فيهن من الإنس والجن والملائكة وغير ذلك، وما من شيء من مخلوقاته التي لا تحصى إلا ويسبح بحمد خالقه - تعالى - ، ولكن أنتم يا بني آدم «لا تفقهون تسبيحهم» لأن تسبيحهم بخلاف لغتكم، وفوق مستوى فهمكم، وإنما الذي يعلم تسبيحهم هو خالقهم عز وجل، وصدق - سبحانه - إذ يقول: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ.
والمتدبر في هذه الآية الكريمة، يراها تبعث في النفوس الخشية والرهبة من الخالق - عز وجل - ، لأنها تصرح تصريحا بليغا بأن كل جماد، وكل حيوان، وكل طير، وكل حشرة ..
بل كل كائن في هذا الوجود يسبح بحمده - تعالى - .